إسلام مصباح

عرف العرب الترجمة في الجزيرة العربية منذ عهود الجاهلية، فبجانبهم الروم في الشمال، والفرس في الشرق، والأحباش في الجنوب، وفي زمن الدولة الأموية والعباسية وصلت الترجمة إلى مرحلة متقدمة جداً، ووصلت للذروة في عهد الأندلس الذهبي، فٌترجمت علوم وفلسفة اليونان والأعمال الأدبية الفارسية إلى اللغة العربية، وكان الخليفة "هارون الرشيد" يمنح بعض المترجمين وزن كتبهم ذهباً، وجاء "المأمون" من بعده لينشئ دار الحكمة في بغداد لتكون قبلة للترجمة والمترجمين.
وقد وصلت الترجمة العربية في تلك الفترة الى مرحلة أنها أنقذت الكثير من المؤلفات الرائعة من الاندثار والهلاك، مثل مؤلفات "أرسطو" وبعض الأساطير اليونانية، والتي أعيد ترجمتها مرة أخرى من العربية إلى اليونانية، وكانت الترجمة إلى العربية هي الهدف الأسمى لأي فيلسوف أو كاتب حول العالم؛ لأنه بذلك يضمن عدم ضياع تراثه الثقافي، فما منع اندثار كتب من حجم (كليلة ودمنة) والملاحم الفارسية والهندية هو ترجمتها إلى اللغة العربية، بل وصل الأمر لدرجة أن بعض المؤلفين حاول أن يقنع الناس بأن كتبهم هي عبارة عن كتب مترجمة لاهتمام الخلفاء والحكماء بالترجمة، لإيمانهم بأنها المصدر الأساسي لنقل التجارب والخبرات والمعارف..

أما عن الحال في هذه الأيام، فإن الترجمة نفسها قد باتت فناً شارف على الاندثار، فما يترجم سنويا إلى العربية يعادل 4.4 كتاب لكل مليون مواطن عربي، ولكن في إسبانيا يبلغ معدل الترجمة 920 كتاباً لكل مليون إسباني.. وهذا يدفعنا للتساؤل عن معوقات الترجمة في الوطن العربي؟.. ولماذا نجد الكثير من الأعمال مترجمة بطريقة ركيكة يغلب عليها التصنع أو النقل الحرفي؟.. بل في أحيان كثيرة نجد صفحات وفقرات قد حذفت من النص الأصلي، والبعض أضاف أجزاء من عنده ليكمل النص.. بل إن التساؤل يشمل ماذا نترجم؟.. وكيف نترجم؟.. د."عفاف عبد المعطي" رئيس مجلس إدارة دار "هفن" للترجمة تجيب قائلة: "قبل التحدث عن مشكلة الترجمة من الضروري تعريف الترجمة، والمترجم.. لأن كثيراً ممن تعلموا لغات أجنبية يحسبون أن بوسعهم التنقل من لغة إلى أخرى بصورة مقبولة ومستساغة، والواقع أن الترجمة الصحيحة هي التي تلتزم بنقل النص كاملاً دون زيادة أو نقصان بأسلوب يتناسب مع النص الأصلي، فإذا كتب مثلاً بلغة فصحى وجبت مراعاة الفصاحة في اللغة المنقول إليها، وإن كانت بالعامية الدارجة، وجب النقل إلى عامية مماثلة.. ويحسن بالمترجم أن يقوم بشرح الغامض والغريب في هوامش الصفحات، وأن يقدم لترجمته بما يبين النفع على ثقافة أهل اللغة المنقول إليها".
وتكمل قائلة: "ولما كانت أمانة النقل ومضاهاة أسلوب الترجمة بأسلوب الأصل أمراً عسيراً، فقديما قيل "كل ترجمة خيانة" وذلك -على الأقل– لأن التعبير بلغة ما يختلف عن التعبير بلغة أخرى، ومن ثم، فإن المترجم ينسب إلى المؤلف ما لم يصدر عنه. وهذا العمل يعتبره البعض ضرورة لا مفر منها، وعلى المترجم أن يلتزم بالمضمون وليس عليه -بل ولا يمكن له- أن ينقل الشكل أو التعبير باللغات الأخرى وإذا نحن لم نسلم بهذه الحقائق فكأننا بمثابة من يقول لمن ينشر الثقافة العالمية تعلم جميع لغات العالم –قديمها وحديثها– لكى تستطيع أن تقرأ كل ما يهمك مما كتب بها، ولا جدال فى أن هذا تكليف بما ليس فى المستطاع.. بل إنه ليجوز عند البعض تخليص المضمون ونقله فى عبارة موجزة على أن يشار إلى ذلك فى مقدمة الترجمة أي أن يفعل في الأصل مثل ما فعله "تشارلز لام" في مسرحيات شيكسبير عندما لخصها فى كتابة (حكايات من شيكسبير).

لكن هل ينطبق هذا على ماعرف بالترجمة عن الترجمة أي ترجمة النصوص عبر لغة وسيطة تقول د.عفاف: "في رأيي هذا أمر جائز، خلافاً لما يقول به الكثيرون من المشتغلين بالترجمة, لأن كل ما نقلناه إلى العربية من الأدب الروسي منقول عن الترجمة الإنجليزية أو الفرنسية لهذا الأدب، ولولا النقل عن هاتين اللغتين إلى العربية لما عرفنا شيئاً عن كبار كتاب الروس".
إذا كان يمكن تقبل مثل هذه الترجمات في النصوص الأدبية والكتب، فهل يمكن ترجمة الشعر.. أين الأوزان والموسيقى إذن؟ تجيب د.عفاف: "هذا جدل قديم هناك من المفكرين من يرى أنه لا يمكن أن يترجم؛ لأنه كلام موزون, ونقل الوزن عسير, ومنهم من يرى أنه يمكن أن يترجم شعراً, وأنا شخصياً ممن يرون أنه يمكن نقل الشعر نثراً, فالوزن ليس كل ما فى الشعر من قيمة, فهناك الصور التي يرسمها الشاعر , وما يستخدمه من تشبيه واستعارة وغير ذلك من ضروب البيان"..

وجهة نظر يمكن أن تتفق معها أو تختلف ويمكنك أن تناقشها وأنت تجيب لنا على السؤال:
متى آخر مرة قرأت فيها كتاباً مترجماً؟.. وما رأيك في هذه الترجمة؟


