د.أيمن محمد الجندي

امرأة لك وامرأة عليك..
امرأة تريدها وامرأة تريدك..
امرأة تعذبك وامرأة تعذبها..
***
في حياة كل رجل منا امرأة أحببناها فأذاقتنا الويل.. امرأة ليست الأجمل أو الأفضل أو الأرق.. بل هي في الأغلب قاسية، متكبرة، متواضعة الحظ من الجمال.. ربما كان أنفها معوجاً قليلاً.. وجهها شاحب إلى حد ما.. أناملها أطول من اللازم.. لكنك تعرف أنك تحب هذا الأنف وذلك الوجه وهذه الأنامل أكثر مما تحب أي شيء آخر في الحياة.. تحبها كما هي بالضبط..
وربما تصادف وجود امرأة أخرى بحياتك أفضل منها آلاف المرات.. تحبك بإخلاص.. ولا تريد سوى أن تراك سعيدا.. أنت طفلها الصغير المدلل وحبيبها المجاب الرغبات.. جارية لرجل واحد لا يمكن أن يكون سواك.. أنت تعرف أنها الأجمل.. الأطيب.. الأرق.. لكن قلبك الخائن ينجذب نحو حبيبته القاسية كمغناطيس معدوم الحيلة.. كعبد يرفض إعتاقه.
ويستعمرك الحزن.. ينفرط قلبك كرمانة حمراء.. وتشعر أن الكون يتآمر ضدك.. وإلا فلماذا كلما التفت وجدتها أمامك؟ ولماذا يصر السحاب على أن يتشكل على هيئة وجهها المحبوب؟ ويفوح عطرها المميز من على مسافة أميال؟ وحتى إذا نمتَ فتزورك في أحلامك بإلحاح؟..
ولا تدري ماذا تصنع بنفسك من فرط الشقاء!.. تتقرب منها فتصدك.. تسكب عواطفك فتريقها.. وإذا منحتها رمانتك الحمراء قالت إنها لا تحب الرمان.. وتكاد تجن حينما تراها تضحك مع رجال سطحيين مثلها لا يحملون لها من الود معشار ما تحمله.. تلعنها وتلعن نفسك.. وتتساءل عما يعجبك فيها.. سطحية باردة قاسية، ولكنك تعلم أنها لو أشارت فقط بإصبعها لتركتَ العالم بأسره وهرولت إليها مثل جرو يتبع سيده.. مثل قمر يدور في فلك أمه الأرض بلا انقطاع.
تتجمد في مربع اليأس وتعتذر -وقلبك يتمزق– للمرأة الأخرى التي تحبك بإخلاص، ولسان حالك يقول كما قال الشاعر :
لو كان قلبي معي ما اخترت غيركم
وما رضيت سواكم للهوى بـــــــــدلا
......................
(عبودية الإنسان)، هذا هو العنوان الذي اختاره الكاتب الإنجليزي الأشهر "سومرست موم" لسيرته الذاتية التي شهدت قصة حبه المؤلمة لميلدرد الساقية اللعوب التي هام بها حباً منذ رآها لأول مرة.. لم يكن فيها شيء يلفت أنظار أحد: نحيلة لها جسم صبي.. شفتاها شاحبتان تماماً وكأنه لا توجد قطرة دم واحدة.. ملولة تروح هنا وهناك بادية السأم.. لكن المصادفة لعبت دورها المعتاد: ملحوظة مرحة وجّهها لها على سبيل الدعابة فردت عليه في برود ضايقه.. عندما غادر المقهى كان يشعر وكأنه تلقى صفعة. وشعر بأنه لن يرتاح حتى يسوي حسابه معها. ولم يكن يعلم أبداً أنه على مشارف أفق الحب.
وبرغم أنه قرر عدم الذهاب للمقهى ثانية فإنه وجد نفسه ذات مساء يتجه إلى هناك.. ولم تبدِ هي أية علامة على أنها رأته من قبل.. قال لنفسه: "أتمنى أن تشتمني أو تقول شيئاً يسمح لي بأن أشكوها للإدارة وأفصلها.. فهي تستحق هذا" لكنه لم يستطع أن يقصيها عن ذهنه. كانت تلك هي خطوته الأولى على طريقه الزلق.. حينما ابتدرته قائلة:
"حسبت أنك لن تأتي!" شعر بقلبه يخفق وكأنها أعادت له تقديره لنفسه.. راح يتأملها وهي تطالع قصة رخيصة.. بسرعة أخرج ورقة ورسم (أسكتشاً) سريعاً لوجهها وتركها على المنضدة حينما انصرف.
في المرة التالية قالت ضاحكة: "لم أكن أعرف أنك تجيد الرسم". كان هذا كافياً ليشعر أنه لم يعد يحمل لها أية ضغينة، ولكنه عندما جاء في اليوم التالي وجدها تتجاهله تماماً وتثرثر مع رجل ألماني كث الشارب وعادت لمسلكها البارد معه. في المساء التالي دعاها للمسرح فقبلت بلا حماس..
جلسا إلى مائدة الطعام حيث الشموع والستائر الحمراء الشاعرية.. قال نكتة أو نكتتين لكنها أخذتهما على محمل الجد. المسرحية بدت له سخيفة سوقية، لكنها راحت تضحك بغير انقطاع وبدا له أنها تستمتع بوقتها أيما استمتاع. في الاستراحة تكلمت عن الناس وعابت على كل شخص تراه، شعر وقتها أنه يكرهها.. لكنه في الوقت ذاته يود أن يكون معها إلى الأبد.. كانت لا مبالاتها تثير جنونه لكنه لا يعرف كيف ستمر الساعات حتى يراها غدًا.. تعس معها وتعس من دونها.. سوقية تافهة شاحبة لكنها تعني له الكثير..
...................
مشوار طويل مفعم بالألم قطعه العاشق متأرجحا بين اليأس والأمل.. بين الفرح الغامر والتعاسة المطبقة.. أسوأ شيء أن تجعل سعادتك رهنا لامرأة.. لكنه استمر على الذهاب إلى المقهى يومياً فإذا لمست منه فتورًا هشت له لتبعث فيه الأمل. طريق وعر كان يقطعه مليئاً بالمطبات والمفاجئات المحزنة.. هذا الرجل الألماني الذي يتردد على المقهى بانتظام وتتبادل معه الحديث الضاحك دون مبالاة بمشاعره. راح يرقبها ويسأل نفسه : لماذا أحبها بهذه القوة رغم أنها سوقية خالية من الرقة والذكاء؟.. راح يتأمل عنقها النحيل ساهماً، وخطر له أن يغمد فيه السكين الموضوعة على المنضدة، ويتخلص من هذا العذاب.. والغريب أنه كان في الوقت نفسه يفكر.. كم هو جميل! ويود لو يغمره بالقبلات!
بالتدريج أدرك أنها تستخدمه كبديل متاح للعشاء ومشاهدة المسرح عندما لا تجد صديقها الألماني.. واعتاد أن يبرر قسوتها بغبائها.. قال إنها لا تملك العقل الكافي لتفهم كم هي تؤذيه. خالية من الحواس والعاطفة والغيرة. جرب مرات أن يجلس إلى مناضد أخرى ويغازل الفتيات الأخريات لكنها لم تكن تهتم على الإطلاق.
الزواج كان حله الوحيد للظفر بها لكنها لم تبد حماسا للفكرة.. فجأة وقعت الواقعة دون مقدمات.. هجرته وتزوجت من الألماني.. في الأيام التالية عانى ألماً رهيباً لكنه صمم على الشفاء.. ولئن كان هذا هو الحب فإنه لا يريده.. قال لنفسه إنه سيُشفى من ذكرى هذا الحب كما شفي من الحب نفسه.. وتساءل: كيف تورط في هذه القصة المحزنة؟ ولماذا سمح لها أن تذله وتهينه لهذه الدرجة؟
وهنا ظهرت في حياته المرأة الأخرى.. فتاة رقيقة اسمها (نورا) منحته الحب بلا حدود، في سكينة وثبات وإخلاص.. كان لقاؤه بها راحة للنفس والروح.. لكنه لم يسأل نفسه قط هل يحبها أم لا؟ شابان في مقتبل الحياة لا يجدان ضرورة للتعجل.
ومرت الأيام هادئة هنيئة إلى أن جاءت صاحبة النزل لتخبره أن هناك سيدة تنتظره.. وهناك شعر بقلبه يغوص في قدميه إذ كانت هذه ملدريد..
كانت تبكي دون أن تحاول أن ترفع يديها لتغطي عينيها بل تركتهما يتدليان إلى جانبها.. أدرك أنه ما زال يحبها كما كان وأقوى.. وها هي ترتجف أمامه وتبكي: "ليتني تزوجتك حين طلبت مني ذلك".. وبسرعة عرف الحكاية كاملة.. زوجها الألماني هجرها.. في الحقيقة هو لم يتزوجها قط؛ لأنه كان متزوجا ولديه ثلاثة أطفال.. سئمها وحينما عرف أنها حامل جن جنونها وطردها بلا رحمة.. كانت الحقائق تنغرس في قلبه كالسكين، وهو يفكر أنها رفضت عرضه بالزواج لتصبح عشيقة لهذا الرجل.
سألته: "هل ما زلت مولعاً بي كما كنت؟".
فسمع نفسه يقول: "ربما أكثر.."
كان عليه أن يختار بينها وبين (نورا) وكان الاختيار محسوما.. ليس المهم أن تحَب –بفتح الحاء– بل أن تحِب –بكسرها- فهو يفضل عشر دقائق مع ملدريد على حياة كاملة مع (نورا).. موقف عسير واجهه حينما صارح "نورا" بحقيقة الأمر، كانت دموعها تسيل في صمت، ثم طلبت منه أن يأتي لها بعربة.. حينما ذهبت لم يكن لديه شك أنه فقد المخلوقة الوحيدة التي تهتم به في هذا العالم، ولكنه لم يكن آسفا لذلك.
...............
والذي حدث بعدها كان متوقعاً لكل من أوتي بصيرة. تكفل بنفقات ولادتها رغم العبء المادي لكنها لم تشعر نحوه أبدا بأي امتنان.. برغم ذلك كان سعيدًا لمجرد أنه بجوارها.. رغبة مجنونة كانت تدفعه إلى أن يضحي بنفسه من أجلها.. وتكررت المشكلة حينما وقعت في هوى صديقه المقرب (جرفيث) الوسيم فارع الطول الذي يروق للفتيات.. راحت تظهر له كم هي لطيفة مرحة، بينما يحترق هو غيرة وحزنا.. وغدان يليق كل منهما بالآخر.. هجرته وهربت مع جريفث.. قصة تكررت بحذافيرها حينما ملها وهرب منها، أما هي فقد جن جنونه وراحت تمطره بالخطابات...
ليس هدف المقال استقصاء أحداث الرواية، المهم هو الحكمة التي استخلصها حينما استعاد نفسه متحرراً من عبوديته لها.. فيما بعد قال لها، وهما جالسان معا أمام النار في ليلة الكريسماس:
ـ"كانت مشكلتي أنك عجزت عن أن تحبيني وهذا ما أثار سخطي وقتها برغم أن هذا سخف.. من الغباء أن ألومك على أنك لم تحبيني.. حسبت أن هذا بوسعي: أن أجعلك تحبينني.. أنا لا أعرف السبب الذي يجعل شخصاً يحب الآخر لكنه أهم شيء، ومن دونه لا يمكن أن نخلق الحب عن طريق العطف أو اللطف أو الكرم.."
حكمة غالية استخلصها المفتون ذات يوم من أحداث حكايته المؤلمة وأهداها لنا على طبق من ذهب: كل شيء أو لا شيء.. الحب لا يؤخذ بل يوهب غالباً.. منحة من الخالق عز وجل.. مثل كل العطايا التي يستحيل شراؤها بالمال.. مثل دفء الشمس وضوء القمر وتلألؤ النجوم.. مثل شربة ماء وفسحة أرض ونسمة هواء. كلها أشياء لا تشترى فكيف بحب هو أثمن شيء في هذا الوجود؟


