إعداد: عاطف حسانين
![]()

ذلك هو السؤال الذي بحث الدكتور "مصطفى محمود" عن إجابة له.. إنه سؤال يتردد في أنفسنا جميعا في لحظة ما.. لم كل هذا الشر في العالم؟ لماذا لا يعم الحب والسلام في الأرض؟ لقد بحث كاتبنا وفكر وعاد لنا بهذا المقال..
الشر..
كل الفلسفة التي في العالم... وكل المعارف التي في الكتب.. لا تستطيع أن تشرح لي حكمة الشر في هذه الدنيا.
لماذا يتعذب الأطفال الأبرياء.. ولِم يغتالهم المرض؟
إن منظر طفل مشلول يتحدى كل الكلمات.
كل الكلمات تصبح ثرثرة سخيفة غير مجدية... وكل علم الأوّلين والآخرين يصبح جهلاً عميقاً مثيراً للإشفاق... أمام عذاب طفل يبكي.. لا شيء كالألم...
إنه ألم فظيع... وقح... صفيق... متبجح... يصفع كل إيمان... وكل معرفة... ويزري بكل حكمة.
إن صرخة الطفل المشلول تخرق كل أذن.. وتسفه كل حكمة... وتخترق السموات السبع... وتصعد إلى الله نفسه... تصرخ في حضرته بلا خوف... في سؤال أبَدِي شديد الإلحاح:
ماذا فعلتُ لأتألم؟
ماذا جنت يداي البريئتان المغسولتان من كل الأفعال وكل النوايا؟
من الذي زرع الشوك... وأنزل اللعنة... وطلب النقمة.. وبث الشرور.. هنا في هذا المكان؟
من صاحب كل هذا؟
ولماذا فعله؟
أهي صدفة أن يتعذب الأطفال... ويمرض العجائز... ويدب فيهم السوس حتى النخاع؟
أهي صدفة أن تعطب كل الثمار الناضجة... وتنتشر الديدان في البراعم فتأكلها وهي غضة؟
أهي صدفة أن يمتلئ الماء والهواء والتراب بميكروبات فتاكة تنشر الدمار والخراب وتنهش كل حياة تخالطها.. وتنهش بعضها في شراسة لا تشبع؟ أهي صدفة أن تتقلب الأرض بين برد قارس... وحر لافح... ورياح سموم... وسيول كاسحة... وزلازل مروعة... وبراكين متفجرة... وصواعق مقبضة...
أهي صدفة أن تتغذى الحياة بالعدوان على بعضها فتلتهم الماشية الزرع... وتلتهم الذئاب الماشية.. وتلتهم السباع الذئاب... ويقتل الإنسان الكل... ثم يتحول الجميع إلى تراب يعود إلى الأرض فيخصبها ويصبح غذاءً تلتهمه النباتات من جديد؟
أهي صدفة هذه الدورة الانتقامية التي يثأر فيها كل شيء من الآخر؟..
أهي صدفة... آلام الولادة... وآلام الاحتضار... وعذاب الحمل؟
أهي صدفة عذابنا المتكرر كل يوم ونحن نجري وراء اللقمة لنملأ أحشاءنا ونحن نجري مرة أخرى لنفرغ أحشاءنا؟
.. صدفة أن نتمزق كل لحظة بين شاعرية أرواحنا... وحيوانية أجسادنا... وبين ما نفعله، وما يجب أن نفعله... بين مطالب أنفسنا ومطالب الآخرين..؟
.. صدفة أن يفنى كل شيء.. كل ما هو جميل... وكل ما هو مشرق... وكل ما هو أكل... وكل ما هو قوة... كل اللحظات بكل ما تحويه تفنى... وتنصرم... وتذهب إلى غير عودة؟
صدفة.. حياتنا اليومية لحظة بلحظة في خوف... وقلق... وانتظار وترقب... وتوجس... وحذر... لا نجاة منه إلا بشرور أخبث منها كالإدمان... والإفراط... والتفريط... والبلادة... والسفه... والوقاحة... والصفاقة؟
.. صدفة أنك تظلمني وأني أظلمك... وأنك تحقد عليّ وأني أحسدك.. وأنك توقع بي... وأني أسخر منك... وأنك تضطهدني... وأني أستغلك.
.. صدفة أن تكون الحريات في العالم شحيحة... وأن يكون الأمان مستحيلاً، واليقين ممتنعاً، والثقة نادرة... والحب قصة.. والصداقة طرفة تُرْوَى!
.. صدفة... جرائم السرقة والقتل والاغتصاب... وأحكام الإعدام والمؤبد والأشغال الشاقة؟
.. صدفة... الحروب والمجازر والمذابح... منذ ظهور الإنسان إلى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور؟
.. صدفة... الكذب كل يوم..... وكل ساعة... وكل لحظة على أنفسنا... وعلى الآخرين؟
صدفة.... الغرور... والأنانية... والتعصب... والتسلط.. والطغيان؟
لا... إنها ليست صدفة بالمرة..
إنها بعض مكونات الحياة.
إنها مخلوقة في هذا الكون... وموجودة قبلنا.
إنها جزء من الطبيعة القاسية التي وجدنا أنفسنا على ظهرها..
ومضينا فيها بلا حيلة... لأنها فينا... بضعة منا...
وهي ليست جريمتنا... ولا جريرتنا... فالزواحف المنقرضة التي عاشت على هذه الأرض قبل مجيئنا ماتت ملطخة بالدم ناباً ومخلباً... ودفنها الجليد...
العذاب في حشوة الكون... وليس صنيعة الإنسان وحده...
وإذا كنا نبدو أحيانا وفي يدنا السكين فنحن أيضاً القتيل... والطعين...
نحن.. الوارثين الأبرياء لهذه الطبيعة الممزقة الشريرة... لم نجلبها على أنفسنا... وإنما جلبتها علينا لحظة الميلاد.
هل من ضرر لهذه الآلام؟.
هل من سبب؟
هل من حكمة؟
في الكتب المقدسة... "إن هذا القضاء جرى علينا؛ تكفيراً عن الذنب الذي ارتكبه "أبونا آدم"... حينما عصى ربه، وأكل من الشجرة المحرمة.. وكل حياتنا منذ اللحظة الملعونة كانت فدية.. كانت قرباناً لله ليغفر ويعفو... ويسامح.
ففي الدين المسيحي... دم المسيح كان فدية... افتدى بها البشرية. الملايين الذين ماتوا ظلماً... على الصلبان... والمشانق.. وفي أعماق السجون كانوا فدية..
الصالحون... والأولياء... والأتقياء... والصادقون... وأصحاب المذاهب والرسالات... والقادة المخلصون... كانوا قرابين لله... ليرضى... ويعفو... ويغفر..
وأنهار الدم... ما زالت تجري.
الله لم يغفر لنا بعد..
والفلاسفة يقولون: "إن الشر هو ثمن الحرية"..
كان لا بد لتوجد حرية أن يلازمها الشر كعرض من أعراضها... فالحرية تستدعي الاختيار الحر... وتستدعي أن يكون في الإنسان إمكانية الصواب... وإمكانية الخطأ... وحرية أن يفعل ما ينفعه أو ما يضره... ولو أن إرادته اقتصرت على توجيهه إلى النافع لما كان بذلك حراً... ولأصبحت حياته ذات وجهة واحدة وطريق واحد... لا اختيار فيه..
الحرية أن نفعل ما نشاء خطأ أو صواباً ونتحمل مسئوليته... ومن هنا كان لا بد من الوقوع في الشر... لأنه لا بد من الخطأ... حيث إنه بتقديرنا المحدود وحواسنا المحدودة وإدراكنا المحدود لن نحيط بالحقيقة ولن نعرف كل شيء.. وسنخطئ دائماً... وحتماً... وسنعيش في مشقات متصلة نتيجة هذه الأخطاء.
"لا مفر... حيث الحرية... لا بد من الخطأ"..
وما خطيئة "آدم" إلا رمز للحرية... حرية المخلوق في مواجهة الخالق... لقد أراد "آدم" أن يفعل ما يشاء لا ما يشاء الله... واقتضته هذه الحرية أن يقع في الخطيئة وفي الشر، فإنه لم يستطع بحواسه المحدودة أن يحيط بالحقيقة، وأن يدرك عاقبة أكله من الشجرة... وأنه إذ يأكل لا بد له أن يُخرج نفايات ما يأكله.
وأنه إذ يأكل لا بد له أن يجري وراء لقمته ويكسب قوته بعرق جبينه، ويكافح ويصارع ويقاتل ولينتزع لقمته من أنياب الآخرين... وهذه هي حياة الأرض بشرورها وآلامها... لا الجنة..
وهكذا أخرجت "آدم" حريته من الجنة... لأنه أراد أن يفعل ما يشاء.. وما زال أبناؤه يصرون على أن يفعلوا ما يشاءون... ويعيشوا أحراراً لقد حمل الإنسان الأمانة... والأمانه هى الحرية... بعد أن رفضتها السماء والأرض والجبال... فليحمل تبعاتها... وليس الإنسان وحده... بل كل المخلوقات... فالحياة حرية والحيوان يختار بغريزته... كما يختار الإنسان بعقله... والميكروبات الدنيئة تختار بفطرتها... والنباتات المنحطة تتصرف بموجب طبيعتها الخاصة.
الحياة حرية على جميع المستويات..
حتى الجمادات...
هناك من العلماء من يقولون إن الإلكترون لا يتحرك حركة مقدورة محتومة... ولكنه يطفر طفرات حرة نابعة من ذاتيته. وغير خاضعة لأي قانون.
حتى الكواكب... تقول المراصد إنها تخطئ أحياناً. وتخرج على مساراتها وقوانينها وتنفجر وتتحطم في فضاء الكون الفسيح... وتتساقط شهباً وسحباً من النار والغبار.
الحرية باطنة في الوجود والخطأ يلازمها...
لأن الحرية باب.. ينفتح على مفترق طرق... أحد هذه الطرق هو الصواب... والطرق الباقية مؤدية إلى الخطأ... إلى الجحيم...
إنها الحرية إذن مفتاح الشقاء الإنساني، وهي أيضاً مفتاح اللذة. وبالحرية وللحرية نتعذب ونعاني... ونتخبط بين السكك والمذاهب ونخوض الحروب والمجازر والمذابح... ونمشي في الدم... ونمرض ونشيخ ونموت... وتتحول حياتنا إلى نزال وحركة دائبة لا تهدأ... وأي تكاليف لا تردنا عن طلب الحرية... وأي ضريبة لا تروعنا وأي خسارة لا تخيفنا... وأي عذاب لا يضعفنا... فنحن نحب حريتنا أكثر مما نحب سعادتنا؛ لأن حريتنا هي شرط وجودنا... جوهر وجودنا... حقيقتنا.. لذتنا العميقة..
بالحرية نكون أنفسنا..
وبدونها لا نكون شيئاً..
ونحن نستكثر ما في الحياة من ألم ومرض وشقاء وعذاب..
نستكثر أن يولد الإنسان ليمرض ويشيخ ويموت ويتعذب..
ومع ذلك فالإنسان نفسه الذي نشفق عليه... هو نفسه يربي الميكروبات ويحالفها ويؤاخيها ويزرعها في قوارير ويصنع منها قذائف... ويعبئ الغازات الخانقة في قنابل، ويقف ثائراً متوعداً على أعتاب حرب ذرية لا يتردد في خوضها دفاعاً عن حريته... لأن هناك ما هو أقوى من كل الشرور وأبشع من كل البشاعات في نظره... أن يستذل.. أن تداس أوطانه... وتستعمر بلاده... ويهان... وتسلب حريته.
إن هذا يسلبه بطاقته الشخصيه كإنسان.
إن كل ما في الدنيا من ألم وعذاب وشقاء مقبول على العين والرأس في مقابل أن يكون الإنسان حراً وأن يكون مجتمعه حراً.
الإقطاع تحطم أمام الرأسمالية؛ لأن الرأسمالية كانت وعداً بالحرية للكثيرين... والرأسمالية تحطمت أمام الاشتراكية؛ لأن الاشتراكية كانت وعداً بتحرير الكل.
والتاريخ من أيام الفراعنة ومن عصور الظلام كان تاريخاً دامياً ولكن الحرية كانت دائماً تسوغه، فلم تكن الدماء الغزيرة التي سالت على صفحاته إلا حكاية حرية.
وإذ كنا نعيش ونبتسم ونغني في عالم يمرح فيه العدوان، وتنتشر فيه الأحقاد؛ فلأن الحرية تبرر هذا المرح... والعمل من أجل الحرية يجعل حياتنا طافحة بالنشوة، ريّانة بالأمل...
وإنما نعلو على جراحنا وننساها... كلما نظرنا إلى الخلف على مدى الرؤية ثم إلى الأمام.. إلى المستقبل البعيد... وأبصرنا المشوار الذي مشيناه في سنوات حياتنا القليلة... وفي قرون من الصبر والجلد والمكابدة من قبلها.. وإنه لمشوار رائع.
والإسلام يضيف لمسة جميلة فهو يقول لنا: إن الشر ابتلاء وامتحان تتمايز فيه المنازل والدرجات وتنكشف النفوس على حقيقتها... ثم يضيف بأن الحياة الدنيا بشرورها مجرد صفحة من كتاب سوف تتلوها صفحات وصفحات فبعد الدنيا رقدة البرزخ ثم صحوة البعث... والهجرة إلى الله مستمرة فلا يصح أن نحكم على كتاب من قراءة صفحة واحدة... ثم هل نحن أهل كمال لنشترط الكمال... وهل أحطنا بكل شيء لنحكم على كل شيء إن المشكلة أكبر من العقل ولا جواب لها إلا الإيمان.
من كتاب "يوميات نص الليل"


