history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

محمد هشام عبيه

يلجأ كثير من كتاب السيناريو إلى استخدام أسلوب "الفلاش باك"، وهو الذي يستطيعون من خلاله العودة إلى الماضي لترى مشهداً ما من وجهة نظر الرواي- البطل غالبا- ثم تعود ثانية إلى الحاضر.. وفي السينما لا يحدث هذا دون إشارة.. ربما تهتز الصورة أو تتموج أو تراها باللون الأبيض والأسود - رغم أن الفيلم ملون بالأساس-.

هو نفس التكنيك الذي يستخدمه عدد من الكتاب أثناء كتابتهم لبعض رواياتهم.. وأيضا لايفعلون ذلك- عادة- دون إشارة.. وإنما ترى أنت فواصل بين الفقرة والأخرى أو حتى تلمح تاريخا مختلفا عن ذلك الذي تدور فيه أحداث الرواية..

هنا يلجأ الروائي الشاب "محمد علاء الدين" في روايته الجديدة "اليوم الثاني والعشرون" إلى تكنيك "الفلاش باك" بحرفية شديدة.. والغريب والجميل- في ذات الوقت- أنه يفعل ذلك دون أي إشارة.. فقط مساحة بيضاء صغيرة - ربما تكون غير ملحوظة- تنقلك من زمان لآخر ومن أشخاص لآخرين.

صحيح أن هذا التكنيك ربما يكون مربكاً للقارئ في أول الأمر.. إلا أنه بعد أن تنتهي من قراءة الصفحات الأولى من الرواية ستكون قد اعتدت على هذا الأسلوب بل ربما تكون أحببته أيضا لأنه يمزج في نعومة ودون قطع مفاجئ بين تفاصيل الراوية وأحداثها.. الأمر أشبه بلعبة يلعبها الأطفال الصغار.. إذا ينطق أحدهم بكلمة ما وعلى الذي يليه أن يتوصل في سرعة إلى كلمة أخرى أول حرف فيها هو آخر حرف في الكلمة الأولى.. وهكذا.

في "اليوم الثاني والعشرون" ستتعرف على خريطة لشوارع وسط البلد بالقاهرة وهي منطقة محببة لهواة الكتابة والفن بشكل عام إذ بمبانيها المصنوعة بأيدي فنانين حقيقيين، ومحلاتها المتنوعة من أول الملابس ونهاية بالآيس كريم، إضافة إلى مقاهيها ذات المذاق الخاص..

كل هذا يشكل عالما خاصا وفريدا نجح "محمد علاء الدين" أن يعبر عنه بشكل جذاب جدا ومتسق تماما مع أحداث الرواية التي تتشكل فيها أول خطوط قصة حب بين عازف بيانو - أجبره والده على امتهان تلك المهنة التي لايحبها- و امرأة مطلقة تهوى الرسم.. وهي قصة الحب التي تتشابك تفاصيلها وتتباعد وتتقارب بمنطقية في بعض الأحيان وبكثير من الصدمة والتحولات المفاجئة في أحيان أخرى ..

وكما نجح "محمد علاء الدين" في صنع شخصية البطلين الرئيسيين، فهما نماذج موجودة بالفعل في مجتمع "وسط البلد الثقافي" فإنه صنع شخصيات أخرى بشكل لا يقل حرفية رغم أنها لم تكن حاضرة في كل تفاصيل الصورة إلا أن دورها المؤثر كان واضحا مثل شخصية الأب، ومدام "هاجوبيان" معلمة البيانو وحتى القطين "فريدي" و"فرعون" والأخير تحديدا تصدرت صورته غلاف الرواية.

جمل وعبارات "محمد علاء الدين" جاءت قصيرة ومركزة ومكثفة ببراعة ملحوظة، وهو ما جعلها قادرة على أن تنقل للقارئ المشاعر والوصف في إيجاز ودون ثرثرة أو مط - الرواية كلها صفحاتها أقل من مائة- النهاية ذاتها أكبر دليل على ذلك...

"قالت لي بصوت خفيض..كيف لي أن أتزوجها، لقد فُصلت من عملي ،هي أكبر مني ، ماذا سيقول الناس؟!" لكن هل هذه هي الأسباب الحقيقية فقط؟..

"لقد تعبت، تعبت، أنت لاتثق في وأنا أنانية، نعم أريدك وقتما أشاء وأهجرك وقتما أشاء، أنت لن ترضى بذلك وذلك لن يرضيني" ثم.. "كان يجب أن يتخذ أحدنا قرارا، أنا لا أستطيع أن أجرحك أكثر لأنك أجمل شيء في حياتي"

وفي اليوم التالي والذي يوافق اليوم الثاني والعشرين لدخول القوات الأمريكية للعراق.. تسقط بغداد- وهي نقطة مجهدة قليلا للقارئ الذي يجب عليه أن يكون منتبها لأن الفارق بين دخول القوات الأمريكية للعراق وبين تمام سقوط بغداد" 21مارس- 9 أبريل 2003" هو 22 يوما خاصة أن صوت الحرب لم يكن واضحا بشكل لافت طوال أحداث الرواية.

"اليوم الثاني والعشرون".. رواية مكتوبة بمداد "مجتمع وسط البلد" بكل مافيه من تناقضات وعجائب وخير ومفاسد، وقصة حب ملتهبة ومبتورة دونما سبب للبداية أو الانتهاء.. قد تتعاطف مع بعض أبطالها وقد يثيرون فيك الغضب لأنهم هكذا مستسلمون راضون بالأمر الواقع دونما محاولة حقيقية للتغيير- مثل أغلبنا في الحياة-.. ولعل هذا مادفع المؤلف لأن يقرن هزيمة البطل بسقوط بغداد.. فهو هاهنا يؤكد أن هزيمة الأوطان تكسر الروح وبالعكس!

 

الكتاب: اليوم الثاني والعشرون
الكاتب:
"محمد علاء الدين"
الطبعة: الأولى- يناير 2007
الناشر:
دار العين



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني