
يتعانق كفاهما ويصمتان عن لغة الكلام تاركين لخواطرهما الانسياب عبر بريق العيون..
- "لماذا سقطت بغداد؟"
فجأة يسأل السؤال، فتنظر إليه بنظرات حبلى بالحيرة:
- "لا أحد يعرف!"
- "مأساتنا أننا لا نعرف أسباب مآسينا.."
- "دعك من هذا.. هل استقبلت مكالمتي؟ ما العمل الآن؟"
-"الرقص."
- " ... !
* * *
ولِم لا نرقص؟!..
هاتِ كف يدك..
لنبدأ الرقص..
من فضلك لا (تحاولي) تذكر ما يحدث –أثناء الرقص– في (فلسطين).. أعلم كم تتألمين من أجلها، وهذا الألم دفعك لكتابة قصة عنها، ستكملينها فيما بعد!!..
* * *
هل كانت نائمة يوم ذاك؟ لا تذكر.. فقط تذكر جزع والدتها والدموع تغرق عينيها كيف حملتها من الفراش برعب وكيف ركبت السيارة بلهفة، وتذكر كيف انطلق والدها سريعا بالسيارة.. تذكر أيضا أصواتا مختلطة وضجيجا وبكاءً وعبارة: اليهود قادمون!
كانت السماء صافية وكانت ترى من الزجاج الخلفي القمر يلاحق السيارة..
- "بابا، القمر يركض وراءنا"..
يبتسم أبوها مرغما ولا تقاوم أمها انهمار دموعها..
تستغرب من كل ما يحدث، وتتذكر فجأة: "ماما، أين أخي؟"
* * *
أعدك ألا (أحاول) -أنا الآخر- تذكر ما حدث لي –أثناء الرقص– في قبو مقر الأمن المركزي لمدة ثلاثين يوماً، دون تهمة تُذكر!!
* * *
بدا له الوجه مألوفا جدا لكنه فقد كل تركيزه حين انتبه لبذلته العسكرية.. انطلق صوت الضابط آمرا جنوده أن يأخذوه.. وذهب معهم.. عاريًا، دونما مقاومة، ودونما شعور بأي شيء..
* * *
يجب ألا (نحاول) تذكر مأساة (فلسطين أخرى)، تُسمى (العراق).. لا وقت لهذا ، فكل الوقت ملك (الرقص) الآن!!..
* * *
النفوس كلها ملتهبة والكل مستعد للانفجار.. الجو مقبض.. السماء مكفهرة.. النفوس بدأت تغلي.. رجال الأمن في كل شارع. وكان لابد للمذبحة أن تكون.
دونما اتفاق انطلقت الجموع خارج أسوار الجامعة واكتسحت الشوارع. انطلقت العصي ترقص على ظهور الطلبة، وانطلق الرصاص يتطاير من/في كل مكان.
* * *
(أحاول) الآن التصديق بأنه لا وجود لكِ بيننا، لذا سأرقص وحدي.. لكن أرقص مع من؟؟!!
* * *
بقعة الدم على كتفها تتسع وتتسع.. قلبه يخفق بسرعة أكبر وأكبر..
وانهالت ضربة على رأسه، وصفعته الأرض على وجهه.
ولم يعلم أحد بعدها ماذا حدث.. بسرعة تم التفريق وبسرعة تم تكويم القتلى في سيارات خاصة.. لا أحد يعرف أين من اختفى، وأين من قتل. إنه الصمت، وإنه الجبن، وإنها الخيانة.
* * *
لا فائدة من (الرقص) ، لذا (سأحاول) الانتحار، فربما ألقاكِ في (العالم الآخر) ، لنكمل (رقصتنا) ، التي لم ولن نُكملها في (عالمنا اليوم) ..
لكن هل سأستطيع الانتحار بعدما (استعذبت الرقص) في (عالمنا اليوم).. (سأحاول).. أعدكِ (بالمحاولة).. حتى وإن كان ذلك على الورق!!..
(انتحار مُرجأ) من تلك الأعمال التي يتوقف أمامها القلم، فكل شيء أمامك ينطق بمشاعر شتى، مشاعر من الصعب جداً وصفها، لكن من السهل جداً معايشتها، لأننا نعيشها، ومازلنا!!
أنت أمام عالم يمتزج فيه (الخيال) مع (الحقيقة) بصورة فنية أكثر من عبقرية، لتجد نفسك لا تعرف من أين بدأت، وإلى أين ستنتهي، وحتى إن انتهت (الرواية)، فهل انتهت فعلاً؟!!..
وهل (الرقص) هو الحل؟! أنت الآن لست سوى الراقص الذي يرقص (كالمذبوح من الألمِ) –مثل الرقصة الخالدة، التي قامت بها الراحلة "سعاد حسني" في فيلم "شفيقة ومتولي" من خلال أغنية (بانو)- سواء إن كان الرقص شرقياً –مُتبعاً بذلك البلد الذي تنتمي إليه– أو غربياَ!!..
"محمد سعيد أحجيوج" –كاتب الرواية– المغربي، والمعروف أيضاً باسم (م.س أحجيوج) في محاولة منه للتشبه بأولئك الكُتاب العظام –على حد قوله– الذين اشتهروا بمثل هذه الاختصارات في كتابة أسمائهم! في الحقيقة هي أول مرة أقرأ فيها لهذا الكاتب، على الرغم من أنه له باع في الكتابة، حيث قام بالنشر لأول مرة في أبريل 2004 مجموعة قصصية مشتركة، مع صديقه "عبد الواحد استيتو"، كانت بعنوان "أشياء تحدث"، كما رأس تحرير جريدة "طنجة الأدبية"، وغادرها في أكتوبر 2005، بجانب العديد من المعلومات الأخرى، والكتب الإلكترونية –ككتاب (المغرب كما هو)– منشورة جميعها في مدونته، التي رُشحت للتنافس كأفضل مدونة عربية في عام 2006..
(انتحار مُرجأ) هي في الأصل (رواية) و(مجموعة قصصية) –بنفس العنوان– في كتاب واحد، منشور على تكلفة "أحجيوج" الخاصة –وهو شيء يدفعنا إلى التلميح بمدى معاناة شباب الكُتاب في تعاملهم مع دور النشر المختلفة، لدرجة أن أحد الكُتاب الشباب ذكر لي أن كتابه المنشور في معرض هذا العام، قد تم التحضير له مع الناشر منذ شهر أبريل 2005!!!- والكتاب صدر في المغرب، وكان من المفروض أن تكون هناك نسخ له في معرض كتاب هذا العام، لكن تشاء الظروف ألا تصل..
"كيف قرأت الرواية إذن؟؟"
الحقيقة أن (الإنترنت) قد أتاح لك الآن كل شيء، وقد قام "أحجيوج" بنشر روايته هذه إلكترونياً، حصريا ، على موقع "روايات نت"، حيث نشر نص هذه الرواية بدايةً كقصة قصيرة في "روايات نت"، ثم لاحقًا مع بعض التعديلات في مدونته، وصدرت الرواية –بعد ذلك في شهر يناير هذا العام- بشكلها المكتمل في كتاب مع قصص قصيرة كما ذكرنا..
أترككم الآن مع مقطع مهم جداً من الرواية، وهو يُمثل (حدوتة قبل النوم) –إن كنت تقوم بقراءتها مساءً– أو (صباحك سكر) –إن كنت تقوم بقراءتها نهاراً- كما يقول "كاظم الساهر".. لكن بالتأكيد هي (حدوتة)/ (صباح) مُزعجة/ مُزعج بعض الشيء!!..
* * *
"يحكى أنه في قديم العصر والأوان، كانت الحمير تعيش في سعادة ووئام، وتتحدث بلغة الإنسان.. جاءتها الذئاب يوما فعاثت فيها الدمار والفساد.. قاومت الحمير وقاومت، وانتهت الحرب باتفاقية الوئام.. قسم المرعى نصفين بين الحمير والذئاب.. بعد ذلك بأيام، خرج حمار عجوز لأقاصي المكان، يهنأ بوافر الطعام.. حملت له الرياح بعد حين، رائحة ذئب لئيم.. لكن الحمار بذاك لم يضطرب، فبينه وبين الذئاب عقد وئام.. تقترب الرائحة وتقترب، ويرتعد الحمار ثم لا يبالي، ويدعو الرب ألا يكون الذئب ذئبا ولو أنه ذئب.. ينقشع بعض من ضباب، فيظهر ما في نية الذئاب.. ينطلق العواء المريب، ويضطرب حمار الحمير.. (كلا، ليس هذا بذئب، إن هو إلا حمل تائه عن والديه).. يقولها الحمار بغباء.. وينقض الذئب اللئيم.. (كلا.. ليس ذئبا، إنها أعشاب المرعى.. هاها.. لا ذئب هنا.. هاها).. يعض الذئب الحمار، فينعقد اللسان، ويصرخ الحمار: هاهاااااا.. هاهااااااااااااا... تسمعه باقي الحمير، فتنسى من ذاك اليوم لغة الإنسان، وتتعلم النهيق.".
* * *
| الكتاب: | انتحار مُرجأ |
المؤلف: |
"محمد سعيد أحجيوج" |
النوع: |
رواية |
الناشر: |
"محمد سعيد أحجيوج" |
تاريخ النشر: |
يناير 2007 |

