history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

مديحة محمد فتح الله

مازال القلق يهاجمك بقوة ويشتت أفكارك، تتلفت يمينا ويسارا ربما تجد أي شيء يبدد مخاوفك. تحاول التركيز حتى تعرف كيف تتصرف بالضبط. تمد يدك إلى الرمال.. تعبث بها بدون تركيز، تلتقط كفك شيئاً ما من الرمال، تنظر إليه جيدا إنها عمله ولكنها ليست عملة بلدك، ولم تر مثلها من قبل. ماذا تظن أن تكون؟

تتجاهل الأمر ويبدأ القلق يشتد بك مرة أخرى. تلتفت وتصاب بدهشة شديدة، إنها زجاجة جديدة على الشاطئ مثل الأولى تماما.. تأخذها برجفة، بها شيء يصدر صوت رنين معه رسالة أخرى. تخرج الرسالة ما هذا الذي يسقط من الزجاجة؟ إنها عمله تشبهها؟؟! تمد يدك بسرعة وتأخذ العملة التي وجدتها سابقا بين الرمال، إنها نفس الشكل ونفس الفئة، شيء غريب. تفتح الرسالة بسرعة، وقد حَوت صورة لمظلتك بالضبط، وبجانب الصورة صورة أخرى لنفس العملة وبضع كلمات مكتوبة ليست بذلك اللون الأخضر الفسفوري تقول: "أنا أنتظرك على بعد خمسة أمتار.. نعم مرة أخرى.. ولكن في هذه المرة لن تنقذ أحداً سوى زوجتك وطفلك.. أمامك خمس دقائق فقط تفكر فيها إن كنت سوف تقفز في الماء لتنقذهم، أم تجلس في مكانك وتكون قد قضيت عليهم تماما ولن تراهم مرة أخرى"..

تتلفت حولك، لا أحد.. لقد بدأت الشمس تغيب. وفر تقريبا كل الجالسين على الشاطئ ذعرًا، الوقت يمر بسرعة، هذه المرة زوجتك وطفلك. تقفز إلى الماء بسرعة قبل فوات الأوان لقد قفزت مرة لإنقاذ غريب، ألا يحق لك أن تقفز من أجل زوجتك وطفلك حتى لو كان فيها هلاكك؟! تسبح وتسبح بسرعة ولا ترى أحدا. ولكن ما هذا الشعور الذي ينتابك مرة أخرى وكأن أحدا يراقبك؟ ما هذا الذي تراه؟ نعم إنه نفس اليخت الآلي، ولكنه هذه المرة هو من يأتي إليك..

الظلام حَل والشمس غرقت في مياه البحر، أحدهم يمد يده إليك ليلتقطك من الماء، لا ترى وجهه جيدا، ولكنه يصيح بك بصوت ذي صدى كأنه صوتاً صناعياً أو آلياً. تسمع صداه في الأصداء بصورة مخيفة يردد:
"هل تريد أن ترى زوجتك وابنك؟"
بصوت مختنق مرتعب ترد: "أجل.. أجل".
"أذا تأتي معنا في صمت تام بلا أي محاولة للكلام".
تصمت تماما حتى تكاد أن تخنق أنفاسك، ولا تسمع في هذا الظلام إلا صوت اليخت يشق الأمواج بصوت يجعل قلبك يهبط في قدميك ثم تسأل نفسك، هل ستراهم مرة أخرى؟

ترى عن بعد وسط المياه العميقة سفينة كبرى يقف اليخت بجانبها لتصعد إليها، يسوقك إلى أسفل السفينة رجل ضخم الجثة له عضلات قويه يستطيع أن يدهسك تحت قدميه في لحظة إن أراد ووجه مغطى بقناع. يلقي بك في حجرة داخل السفينة ثم يقيدك. الظلام حالك لا ترى حتى كف يدك. ولكنك تسمع أنفاس غير أنفاسك في الحجرة، شيء يطمئنك ربما تكون زوجتك وطفلك. ولكن صوت الأنفاس يدل على أن الحجرة بها عدد ليس بقليل. تهمس للشخص الذي تعتقد إنه بجانبك: "هل يوجد غيرنا في هذه الحجرة؟" يرد عليك باقتضاب شديد: "كثيرون".. تسأله من جديد: "هل هم مقيدون مثلي؟"
"أجل قدمين وذراعين".. تسأله بلهفة: "هل معهم طفل صغير وامرأة؟"
" لا اعلم".

تصمت قليلا.. ثم تعود مرة أخرى وتسأل والقلق وعدم الفهم يعاودا الفتك بك: "ماذا تظن أنهم فاعلون بنا؟" يرد عليك في همس شديد وبشيء من اللامبالاة المصطنعة: "المعتاد".

تتساءل في توتر وذهول:
"ما هو المعتاد؟"

فيهمس في إذنك بثلاث كلمات توقف سريان الدم في عروقك وتتسع عيناك فرقًا ورعباً.


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني