history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

د. ميشيل حنا

لا يمكن للعالم أن يكون أروع من هذه اللحظة؛ إنها الإجازة السنوية، وأنت تجلس على الشاطئ أسفل المظلة تدلي قدميك في الماء البارد، ونسيم البحر يداعب وجهك، ويمر من فتحة القميص؛ لينفخه مثل البالون.. رأسك فارغ تمامًا من أي نوع من التفكير.. زوجتك تلعب على الأرض مع طفليك الصغيرين، يبنون قصورًا من الرمال ثم يهدمونها، وأنت تراقب كل هذا بنصف عين. تغفو قليلا ثم تصحو.. تصحو ثم تغفو.. ولا قيمة للوقت على الإطلاق، فليمض الوقت للأمام أو يعود إلى الخلف؛ فلن يصنع هذا فارقاً.

فعلا.. لا يمكن للعالم أن يكون أروع من هذه اللحظة..
لكن هذا العالم لا يمكن أن يتركك تفلت بكل هذه السعادة، فها هو يدبر لك شيئًا.. فقط اصبر قليلاً..

افتح الآن عينيك وانظر.. إن طفلك يحمل زجاجة في يده أتى بها من الماء، وهو على وشك أن يجرح نفسه.. فلتهبَّ من نومتك المريحة وتهرع إليه قبل أن يؤذي نفسه.. اسحب منه الزجاجة بلطف، ولا تعبأ به عندما ينفجر باكيًا كعادة الأطفال عندما تأخذ منهم شيئًا.. والآن فلتلُمْ زوجتك على إهمالها في الانتباه للطفلين، لكنها ستنفجر في وجهك الآن متهمة إياك بالكسل، بينما تلقي كل شيء على عاتقها، ثم إن الزجاجة سليمة ومغلقة بقطعة من الفلين ولا ضرر منها على الطفل، إلا إذا حاول أن يكسرها بالقوة طبعًا.

لكن تمهَّل قليلاً.. ما هذا الشيء القابع داخل الزجاجة؟! تبدو كورقة ملفوفة بعناية، كأنها رسالة مِن التي يرسلها ركاب السفن الغارقة، والمفقودون في الجزر عن طريق زجاجات محكمة لا يتسرب إليها الماء!.. ها هي مغامرة مثيرة تنتظرك.. افتح الزجاجة، وافرد الورقة، ولنرَ ماذا تحوي.

النجدة..
أيها المستجمّون على الشاطئ..
أصغوا إليَّ..
أنا هنا على بعد خمسة أمتار من الشاطئ داخل الماء..
كيف لا تنتبهون لصراخي..
أرسلت رسالتين من قبل، ولم تأبهوا بي..
أرجوكم أن تنقذوني..
أؤكد لكم أنني لن أستطيع أن أحتمل أكثر..
إن حياتي أو مماتي في أيديكم، وستظلون باقي حياتكم في ندم ووخز ضمير إن لم تتصرفوا حالاً..
أنجدوني الآن..

كان الخط غريبًا ومائلاً، والكتابة نفسها خضراء فوسفورية بشكل لم تَخْبُرْه من قبل مع أي قلم. لكن هل ستترك ذلك الإنسان ليغرق؟ بالطبع لا.. خاصة وأنك تجيد السباحة، وبالتأكيد لن تتحمل تأنيب ضميرك إذا غرق بينما كان يمكنك إنقاذه، كما أنه لا وقت لطلب حرس الشواطئ أو إبلاغ الأشخاص المتخصصين في الإنقاذ؛ إن ثانيةً واحدةً تفصل بين الحياة والموت في هذه الحالات، لذا عليك أن تخلع ملابسك، وتلقي نفسك في البحر الآن.

لكن ألم تفكر أنه ربما كان من الغريب أن يقوم شخص يصارع الأمواج وهو على وشك الغرق بكتابة رسالة، ووضعها في زجاجة؟ ثم إن الورقة نفسها غير مبتلة! ثم ما هذا القلم الأخضر الذي يكتب كتابة كهذه؟ وأين هذا الغريق الذي يقول إنه على بعد خمسة أمتار داخل الماء؟ وكيف أنه لا يمكن رؤيته من الشاطئ؟

كل هذه الأسئلة كانت تدور بعقلك وأنت تسبح باتجاه المكان المنشود. لكن.. صدقني، كان من المفترض أن تستمع إلى زوجتك عندما حاولت إثناءك عن الذهاب، كان يجب أن تسأل نفسك هذه الأسئلة قبل أن تنزل إلى البحر؛ لأنك الآن على وشك مواجهة الحقيقة؛ أنت على وشك الإلتقاء بكاتب الرسالة، وليتك لم تلتقِ به..

   
   
الفصل الرابع
Elhadidi
الفصل الرابع
محمد عزب

 

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني