history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

ميسرة الدندراوي

الأربعاء...
مدينة ملاهي (….)
الواحدة صباحاًَ...


"عماد" في شدة الحيرة.. لماذا حاسته البوليسية تخبره بأن هناك خطأ ما...

هو لم يدَّعِ يوما أنه مفتش مباحث ماهر.. ولم يتمنَّ أن يكون "شيرلوك هولمز" أو "كوجاك"..

لكنه اكتسب هذه الحاسة من كثرة ما واجه من جرائم غريبة..

للمرة الأولى يشعر بأن شيئا ما غير صحيح... وإلا فكيف يكون الأمر هكذا.. "بسام قمر" في أفضل حال.. يتراقص على المسرح دون عبء بأي شيء.. و"أكرم" خلفه يقف منتظراًَ..

ولكن أين "أكرم"؟؟...
عندما التفت وراءه لم يجده.. "أكرم" اختفى تماماًَ.. راح يبحث عنه في كل مكان.. اللعنة أين ذهب ذلك الوغد؟.. ثم إن هاتفه المحمول لا يجيب.. إذن أين هو؟؟..

ثم اشتعل ذلك المصباح في رأسه..
راحت كل الأحداث تجوب رأسه.. مئات المواقف والكلمات والحروف.. سبعة حروف تتراقص أمام عينيه..

لكن سبعة حروف أخرى حلت محلها وراحت تتراقص كالشياطين.. وكأنما يخرج كل حرف منها لسانه له.. ولسان حالها يقول: أيها الغبي.. لقد فات الوقت.. لقد عرفت بنا متأخراًَ..

وهنا ركض "عماد" بعرض المسرح غير عابئ بصرخات الاستهجان.. وقبض على ثياب "بسيوني" وهو يجره خلفه:
- لا إله إلا الله.. ماذا بك يا "عماد" باشا؟!
- أسرعْ أيها الغبي وتعالَ معي.. الجريمة قد تحدث في أي وقت..
- ولكنك قلت إنها ستحدث هنا!!
- كنت غبيا مثلك.. اتبعني بسرعة..


وراح "عماد" يركض نحو سيارته و"بسيوني" خلفه يلهث.. ثم أدار المحرك ليجده غير مستجيب.. فنظر نحو موقف السيارات ليجد شابا وفتاة يجلسان فوق دراجة نارية.. فقال مشيراًَ نحوهما:
- "بسيوني".. هل يمكنك قيادة ذلك الشيء..؟؟
- لا تقلق يا "عماد" باشا..


ثم اتجه "بسيوني" نحوهما، وقال في غلظة:
- ابتعد يا "توتو"... نريد درّاجتك قليلاًَ..
- ماذا تريد أيها الوغد؟؟


وكأنما أعطاه المبرر.. وجه "بسيوني" لكمة مدوية كادت تفجّر رأس الفتى، ثم قال:
- هيا يا باشا..

اقترب عماد منه راكضاًَ وانتظر حتى أدار "بسيوني" المحرك، ثم قال:
- آسف يا آنستي.. آسف يا أستاذ.. ولكنها الضرورة!

ثم انطلق "بسيوني" غير مبالٍ بالسباب المقذع الذي أطلقه الفتى والفتاة معاًَ، وقال في جدية:
- إلى أين يا باشا؟؟
- إلى مصر الجديدة.. بسرعة..


ثم قال خافضاًَ صوته:
- ولندعُ الله أن يكون الجميع مازالوا بخير..

وهنا فقط ارتسمت أمام "عماد" تلك الحروف السبعة الأخرى..

الحروف الأخيرة من أسماء كل الروايات التي استخدمها هذا القاتل في جرائمه.. لتكون كلمة واحدة كبيرة راحت تضيء وتنطفئ في رأس "عماد" كإعلانات الطرق..

هل تعرفون ما هذه الكلمة...؟؟
تعالوا نلعب هذه اللعبة...
إنها مسلية جدّاًَ.. وقد توقظ عقولكم النائمة..

إذا جمعنا الحروف السبعة الأخيرة من أسماء الروايات وهي... م.. ن.. ص.. و.. ر... ي... س
فيا ترى ماذا تكون الكلمة...؟؟؟

*****

الأربعاء...
حي مصر الجديدة... شقة "منصور يس"...
الواحدة والربع صباحا...


فتحت عيني المجهدتين.. وشعرت بصداع رهيب في رأسي ورائحة نفاذة تخترق أنفي... وألم شديد في يدي فقط لأكتشف أن شخصاًَ ما يحاول أن يوقظني من إغماءتي.. وأن يدي مقيدتان في وضع غريب بسلاسل حديدية إلى الحائط..

رحت أستكشف المكان حولي ثم أصابتني الدهشة حينما وجدت "منصور يس" مقيداًَ وقد علقه أحدهم من أطرافه إلى السقف بحيث يصبح جسده في وضعية أشبه بإنسان يسبح في الهواء.. وأسفل منه على الأرض ثبتت مئات من الخناجر اللامعة في وضعية غريبة.. وقد كمم أحدهم فمه بشريط لاصق غريب الشكل..

وهناك في ركن الحجرة جلس شاب أسمر البشرة.. يمسك بيده لفافة تبغ ينفث دخانها في لامبالاة شديدة.. لا أدري لماذا بدا لي مألوفا بشدة..

نعم.. أنا أعرف هذا الشاب..

إنه شاب عصبي نحيل.. مرتب الأفكار إلى حد مخيف.. منظم التفكير إلى حد مرعب..

إنه ذلك الفتى الذي يُدعى "سيد محمود"..

ابتسمت رغماًَ عني ابتسامة منهكة، فقال:
- صباح الخير يا أستاذ "أكرم".. أنا آسف على تلك الضربة الموجعة وتلك السلاسل التي اضطررت -آسفا- لتقييدك بها..
- من البداية وشعرت أن شيئاًَ ما في ابتسامتك غير مريح..


انطلقت من فمه ضحكة ساخرة، ثم قال:
- الحقيقة أنني أريد إبداء إعجابي الشديد بتفكيرك.. بصراحة لم أكن أتوقع أن يكتشف أحد أمري بهذه السرعة..

- بالتأكيد.. توقعت أن نكون جميعاًَ هناك.. نقف كالبلهاء على حراسة ذلك المطرب المائع.. وأنت هنا تنفذ جريمتك بمنتهى الدقة وكما خططت تماماًَ.. ثم تجلس أمامنا تبكي.. وأنت تسخر من داخلك على المعاتيه الذين يحرسون ذلك المطرب من جريمة وهمية والجريمة الحقيقية تحدث هنا.. الحقيقة أني شككت فيك منذ البداية.. أنا لا أحب الأناس الودودين ذوي الابتسامات غير المريحة.. لقد رأيت العديد من أمثالك يملئون تخشيبة أي قسم شرطة...

- وما الذي أبعد شكك عني يا "كولومبو"..؟؟

- حادثة "منصور يس".. يبدو أنك كنت بارعاًَ في تمثيل دور المساعد الذي يفدي رئيسه بحياته.. وأكاد أجزم أنك استأجرت أحدهم لتبعد نفسك عن الشبهات تماماًَ.. بينما كنت قد رتبت لجريمتك منذ الصباح…


ابتسم مرة أخرى، ونهض من مقعده نحوي، وقال:
- الحقيقة أن كل شيء كان يسير على ما يرام.. الجرائم تمت كما خططت لها تماماًَ وبنسبة نجاح تتجاوز التسعين بالمائة.. كما أنكم وكما خططت تماماًَ انسقتم وراء الخيط الذي منحته لكم.. وأدرت اللعبة بمفردي وبشروطي كما أريدها تماما.. لكنك للأسف جئت لتفسد عليّ لعبتي..
- ولكن لماذا..؟؟

- الإجابة بسيطة يا أستاذ "أكرم".. أنا شاب مغمور أسير في ظل سيدي منذ أكثر من عشرة أعوام.. أتحمل نكاته السخيفة وغرابة طباعه.. وأمنحه كل مجهودي ووقتي.. في مقابل أن يمنحني في يوم من الأيام فرصة لتحقيق حلمي بأن أكون مشهوراًَ.. لكنه دائما ما يتعمد أن يشعرني بأنني غبي.. وعقلي أصغر من أن يفكر أو يبدع أو أن يفعل أي شيء غير الرد على هاتفه وتنظيم مواعيده.. وكتابة قصصه الشنيعة على الآلة الكاتبة.. كأي سكرتيرة سخيفة بلهاء..


ولدهشتي تجمعت في عينيه دمعة كبيرة راحت تتساقط على وجهه الأسمر وهو يتابع:
- راح حبي له يوماً بعد يوم ينقلب.. صرت أكرهه وأتصيد الفرصة للانتقام منه.. صار عقلي يعمل في اتجاه معاكس تماماً.. وفي يوم من الأيام تجمعت لدي كل خيوط الفكرة.. الوسيلة الوحيدة كي أنتقم من هذا الوغد.. جمعت قصصه السبعة الأكثر قرباً إلى قلبي.. ورحت أبحث بين الناس عمن يستحقون أن أنتقم من "منصور" فيهم جميعاً.. موظف سيئ السمعة عبد للروتين.. مسئول كاذب وفاسد.. رجل خائن لزوجته ولكل من يعرف.. دار أيتام للمعاقين أقل ما يقال عنها إنها تصلح كزريبة للمواشي.. نصّاب هارب من العدالة... فتاة سيئة السمعة..

- كلا لقد أخطأت في الأخيرة.. الفتاة كانت تجري وراء رزق إخوتها الأيتام بكل شرف.. لقد تابت إلى الله.. ألم تفكر يوماً في إخوتها الأيتام؟..


بدا منزعجا قليلاً، ثم قال:
- لكل معركة خسائرها يا أستاذ "أكرم".. ثم إنني كنت نويت التكفل بهم بعد انتهاء معركتي.

- يا لك من وغد تعس.. أية معركة التي تقتل فيها أناساً أبرياء وتتسبب في ضياع حفنة من الأيتام لمجرد إرضاء نفسك المريضة وشهوة انتقامك..


التفت نحوي بغضب حادٍّ وأخرج من ثيابه خنجراً ضخماً ووضعه على رقبتي قائلاً:
- لو أطلت لسانك مرة أخرى سأقطع رقبتك..

ابتسمت في سخرية متابعا:
- وهل تظنني خائفاً منك؟؟.. أنت ستقتلني إن عاجلاً أو آجلاً.. لكن أشباح ضحاياك سوف تطاردك في منامك وفي صحوك.. سأموت نعم لكن وأنا إنسان شجاع.. أما أنت.. فستموت يوماً مرتعدا في فراشك كالفأر..

- قلت لك أن تصمت..


ثم ضغط بالخنجر على رقبتي قليلاً حتى كاد يذبحني.. وأحسست بدمائي تسيل من موضع ما في رقبتي لكنه توقف فجأة، وألقى بالخنجر أرضا ثم اتجه نحو ركن الحجرة مرة أخرى.. وعاد ممسكا بذلك المقعد ثم وضعه أمامي وجلس قائلاً:
- كلامك لن يغير شيئا من الواقع.. بعد خمس دقائق يستيقظ "منصور يس"، وعندها أفك أنا السلاسل التي تعلقه في الحائط فيسقط فوق الخناجر ليلقى مصيره المحتوم.. ويتحقق كل ما كتبه في روايته بالحرف...

- ولكن.. لا توجد رواية لـ"منصور يس" يموت فيها أحد بهذه الطريقة.

- تقصد أنها لم تنشر بعد لكنها موجودة.. لقد كان "منصور" مشغولاً في كتابة روايته الجديدة والتي أطلق عليها اسم "رمسيس".. وهو اسم بطل روايته.. كاتب مشهور.. لكنه يشعر بغرور شديد.. مما يجعله يهمل كل من حوله ظاناً بأنه العبقري الوحيد في الحياة.. ثم يقع في مأزق أن عقله المتوهج بدأ يخفت وأنه لا يجد ما يكتبه... إلا أن خادمته "سنية" تعتقد أنها يمكن أن تساعده.. وتقترح عليه فكرة لقصة يكتبها... لكنه يرفض مساعدتها.. وينعتها بالتفاهة والغباء.. فتقرر يوما قتله بالخناجر، وتستأجر رجلاً من معتادي الإجرام ليزوّر لها توقيعه على وصية تمنحها كل ثروته.. ثم تتفق معه على قتل "رمسيس" مقابل أن يتزوجها وينعم بالثروة..

- لن يدهشني أن أعرف أنك صاحب فكرة هذه الرواية..

رغماً عنه ابتسم في إعجاب، وقال:
- ذكاؤك لم يخنك يوماً يا أستاذ "أكرم".. إلا أنه لم يكتب نهايتها حتى الآن.. ولذا فقد قررت أن أكتب النهاية على الطبيعة.. ثم أسافر إلى أي مكان بعد وفاة سيدي وأستاذي متظاهراً بالحزن عليه.. وبعد سنة من الآن أكمل كتابة تلك القصة.. وأقول إنني استوحيت نهايتها من جريمة "منصور يس".. ثم أطرحها باسمي في الأسواق..

ثم نظر نحوي وعيناه تلتهبان في شيطانية:
- ما رأيك يا أستاذ "أكرم"؟؟ هل أثرت إعجابك..
- إنك تثير تقززي..


وكأنما أمدحه.. راح يقهقه في سخرية.. ومع صوت قهقهته استيقظ "منصور"، وراح يحاول الإفلات من قيده وعلى وجهه أعتى علامات الرعب.. حتى ظننت أن الرجل قد يموت من فرط الهلع.. بينما اقترب منه متحاشيا الحناجر، وقال:
- ماذا.. هل أنت خائف.. كنت أظنك أشجع من هذا.. تقبّلْ مصيرك بروح رياضية يا رجل.. لا تكن كالمرأة المذعورة.. كن رجلاً ولو لمرة في حياتك..
- أنت حيوان سادي وغد يا "سيد"..
- وأنت قليل التربية يا أستاذ "أكرم"..


ثم جلس على مقعده وأخرج من جيبه مسدسا وضع به كاتما للصوت.. وراح يتسلى بتنظيفه وهو ينظر نحو ساعة الحائط التي شارفت على الثالثة صباحا.. بينما حاولت أن أفك القيد بأي طريقة وعقلي يعمل محاولا استفزازه أو تعطيله بأي طريقة.

- لا تحاول يا أستاذ "أكرم".. إنه من أجود أنواع القيود الحديدية.. لو كان "كوبر فيلد" بنفسه هنا بكل سحره وألاعيبه لما استطاع التخلص منه.

- أنت وغد مريض يا "سيد".. أقسم لو تحررت من قيدي أن أمزق رقبتك..

- أيضا لا تحاول استفزازي؛ لأني لست غبياً..


عقلي يعمل محاولا إيجاد أي حل.. رصاصة انطلقت مصوبة ببراعة لأجد جسم "منصور" يسقط فوق الخناجر... إلا أنه لم يسقط.. فقط تحرّر أحد أطرافه الأربعة وبقي معلقاً.. العرق يتصبب منه في غزارة.. وأعتى علامات الرعب تملأ وجهه.. بينما "سيد" يتلذذ بتعذيبه.. لقد جن الوغد بلا شك..

الوقت يمر.. أعتقد أنه فقد السيطرة على عقله المريض.. رصاصة أخرى فأصبح "منصور" معلقاً من ساقيه ورأسه إلى الأسفل وهنا فقط أغمي على "منصور" وأصبح جسده حرّاً.. أعتقد أنه ما زال حياً ولم يمُتْ بالصدمة القلبية.. رصاصة أخرى فأصبح معلقا من ساق واحدة.. اللعنة أين أنت يا "عماد"؟؟.. ليتني أرسلت له رسالة من هاتفي المحمول.. ليتني ذهبت له وشددته من يده لأخبره بما اكتشفته..

"سيد" يجهز رصاصته الرابعة.. الضربة القاضية.. ملاكم ماهر يستعدُّ لتسديد ضربة محكمة لمنافسه.. غشاوة غريبة بدأت تتكون أمام عيني.. اللعنة.. يبدو أنني سأفقد وعيي من جديد.. الملاكم ينظر في عيني خصمه.. كتفه يعود للوراء.. قبضته مغلقة محكومة.. الغشاوة تزيد أمام عيني... كلمات الأغنية تتردد في أذني وتدوي كألف ألف جرس.. القبضة الآن تتجه نحو فك الخصم.. "سيد" يصوب مسدسه في إحكام.. الغشاوة تكاد تظلم عيني.. صوت رصاصة وبقع دم تتطاير أمام عيني..

لكن الدنيا أظلمت..
أظلمت كما لم تظلم من قبل..

******

كل الحاجات حوالي تدور ... زي الحيطان بتداري النور

******

ما رأيك يا أستاذ "أكرم"؟؟ هل أثرت إعجابك؟؟..

******


الحلقات السابقة من
"حكاية سبعة حروف "

:: ب..س..ا..م..ق..م.. (6)
:: "مي".. (5)
:: قطار.. (4)
:: مــــاو.. (3)
:: آدم في القفص.. (2)
:: بلا عظام.. (1)

* * *



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني