الخميس..
مجمع التحرير..
الواحدة صباحًا..
برغم أن مجمع التحرير هو أكثر المباني ازدحامًا في مصر المحروسة بأكملها.. إلا أن أحدًا لم يمنع نفسه من التعجب والحيرة من ازدحامه الشديد في هذا الوقت..
لكنه كان ازدحامًا من نوع آخر مختلف.. فرجال الشرطة، والمباحث الجنائية، والأمن العام، وأمن الدولة، وكل ما يحلو لك تخيله من أجهزة أمنية في المحروسة يملئون المكان كالنمل.. وكل منهم مشغول بمهمته، وكأنه آخر ما يفعله في حياته..

وكأنك تشاهد فيلمًا أمريكيًّا مشوِّقًا.. هبط من إحدى سيارات الشرطة شاب وسيم الملامح كالتماثيل.. يرتدي معطفًا جلديًّا شبيهاً بمعاطف رجال المافيا.. عبر ذلك السياج المقام من أجساد عساكر الشرطة المساكين.. الذي تحمل عينا كل منهم أطناناً من النوم والسخط على حظهم العاثر.. واتجه مباشرة إلى أكبر ضباط الشرطة الواقفين رتبةً، وقال:
- مساء الخير يا سيادة العميد.
قل: صباح الخير يا "عماد".. تعالَ أريد التحدث إليك.
ثم أمسكه من يده، وهو يقتاده إلى داخل المبنى، فاعترض طريقه مجموعة من الصحفيين والمصورين، وقال أحدهم:
- سيادة العميد "لطفي": ما هو الوضع تمامًا؟؟
- لا تعليق.. ولن تأخذوا مني حرفًا.. يمكنكم الاطلاع على محضر التحقيق غدًا في النيابة.. ثم من سمح لكم بالتواجد هنا؟؟!.. يا "مرعي" أخرجهم من هنا.. ألم أقل إنها منطقة محظورة.. لو حاول سيادة الرئيس الدخول إلى هنا فلا تسمح له..
ابتسم "عماد"، وقال هامسًا:
- أعتقد أنك لا تستطيع أنت شخصيًّا إطاعة هذا الأمر..
- إنه كلام يا فتى...ثم إني ضقت ذرعًا بهولاء الشياطين.. لا تكاد الجريمة تحدث حتى تجد الآلاف منهم قبلنا في مسرح الأحداث..
- جريمة.. هل حدثت جريمة هنا؟؟
نظر العميد "لطفي" نحو "عماد" مستنكرًا، وتابع:
- وهل نحن هنا للاستجمام؟!!!.. بالطبع جريمة يا فتى.
- هل احتجز أحدهم مواطنين في المبنى؟؟
- ما نحن بصدده هنا ليس فيلمًا لـ"عادل إمام".. إنها جريمة حقيقية..
ثم صوّب عينيه الضيقتين ضاغطًا على كل مقاطع حروفه نحو "عماد":
- إنها من أبشع الجرائم التي رأيتها في حياتي الطويلة..
كاد "عماد" أن يبتسم ساخرًا.. وأن يقول له إن هذا الكلام لا يصدر من فم مدير المباحث الجنائية.. وإنه لا يصح أن يكون مرتعدًا بهذا الشكل.. إلا أنه ابتلع كلماته حتى لا يخرب بيته.. وتبعه مسرعًا نحو مصعد المجمع -الذي غالبا ما يكون معطلاً- فوجد فريقا كاملاً من رجال المعمل الجنائي يغطي مدخل المصعد.. فنظر نحو العميد "لطفي" متسائلاً:
- متى وجدوه..؟؟
- منذ نصف ساعة.. وجده العسكري نوبتجي الليلة..
وهنا خرج أحدهم من التجمهر نحو العميد "لطفي" قائلاً:
- أمر غريب يا سيدي.. الرجل لم يضرب بمطرقة.. ولم يُلقَ به من فوق..
- إذًا كيف حطمت عظامه بهذا الشكل..؟؟؟؟!!!!
أخذ الرجل نفسًا عميقًا، ثم قال:
- أعتقد يا سيدي.. "احم" لا أدري كيف أقولها..
- تكلم أرجوك.. بدون سعال ولا تنحنح..
أخذ الرجل نفسًا آخر -أعمق من ذي قبل- ثم قال:
- حسب التفسير الأرجح حاليًا.. أغلق القاتل باب المصعد على رقبته بعد أن قيده.. فتحطمت قصبته الهوائية.. ثم اقتاده إلى الطابق الأرضي وفتح باب المصعد عنوة.. ووضع جسده مكان هبوط المصعد، وأغلق الباب، وبكل هدوء استدعى المصعد؛ ليهبط فوق جسد الرجل المسكين..

امتلأ وجه "عماد" امتعاضًا.. وغالب شعورًا بالقيء يملأه، والعميد "لطفي" يقتاده؛ ليرى الجثة.. وكاد يتقيأ فعلاً حينما رأى جثة ذلك المسكين.. إلا أن شيئًا ما لفت نظره، فنظر نحو أحد رجال المعمل الجنائي، قائلاً:
هل لي باستعارة أحد قفازاتكم؟..
ناوله الرجل ذلك القفاز.. فمد يده وذلك الشعور المقزز يطارده.. ووضعها عند تلك الكومة من العظم واللحم التي كانت منذ ساعات تصاب بالصداع.. وتعرف باسم الرأس، وانتزع بصعوبة تلك البطاقة البلاستيكية الأنيقة.. السليمة مائة بالمائة.. وقال مخاطبًا رجال المعمل الجنائي:
- هل وضع أحدكم هذه هنا؟؟
- لا.. ولكننا وجدناها مع الجثة.. وهي خالية تمامًا من أي كتابة..
راح يقلبها على جانبيها في الضوء، ثم قال بصوت مرتفع محاولاً اختراق الجلبة:
- هل لي بقلم رصاص؟.. لِيعطْني أحدكم قلمًا رصاصًا!.
ناوله أحدهم ذلك القلم، فراح يمرره على تلك البطاقة في رفق حتى بدأت بعض الحروف تظهر مكونة جملة مفيدة، قرأها في تمعن، ثم ناولها للعميد "لطفي" الذي رفع صوته، وهو يقرأها متعجبًا:
- بلا عظام.. كل يوم حرف
ثم رفع رأسه نحوهم، وقال وقد ازدادت دهشته:
- ماذا يعني هذا..؟؟ فليجبني أحدكم!!..
لكن الصمت ظل ملكًا للموقف.. الواقع يا سيادة العميد أنك أمام شيء جديد عليك.. لكنه واضح كذبابة سقطت في كوب حليب.. ألم تفهم بعد يا سيادة العميد..؟؟
* * *
الجمعة..
أحد أحياء القاهرة الفخمة..
العاشرة صباحًا..
استيقظت "ليلى" مديرة منزل رجل الأعمال المعروف والوزير السابق "بهجت سعيد" من نومها متأخرة ذلك اليوم، وأحست بدهشة شديدة؛ لأن سيدها لم يوقظ البيت كله كالعادة في الثامنة صباحًا، وراحت تفرك عينيها في خمول.. وهي تندب حظها العاثر الذي أوقعها في خدمة هذا الرجل.. الذي تركه أولاده وحده، وهاجروا، وأصبح وحيدًا ككلب الحراسة.. وحيدًا كالواحة.. وحيدًا كنقطة ماء في وسط حائط أسمنتي كبير… حتى أن الخدم قد هجروا المنزل.. وأصبحت سمعة سيادته سيئة للغاية لدى كل مكاتب التخديم في مصر..
وكعادتها كل صباح.. راحت "سنية" تعد لمخدومها طعام الإفطار..
وكعادتها كل صباح.. فتحت الماء الساخن؛ لتعد له حمام الصباح.. وراحت ترتب المنزل..
وكعادتها كل صباح.. فتحت الباب؛ كي تحضر الصحف التي يتركها بائع الصحف كل صباح..
إلا أنها -وليس مثل كل صباح- لم تجد سوى مظروف أبيض غريب الشأن، فتحته لتجد بداخله بطاقة من الورق المقوى كتب عليها بخط كمبيوتري أنيق كلمة واحدة لا غير...
"سنــــــين"

ولا تدري كيف اختنق صدرها فجأة، وأحسّت بانقباض غريب في قلبها مما جعلها تتجه مباشرة إلى غرفة سيدها، وتزيح الباب لتجد ما حدث قد حدث...
ولم تفعل شيئًا بعدها..
لم تصرخ.. لم تبكِ..
لقد خرّت مغشيًّا عليها..
* * *


