history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

"أدهم صبري".. ضابط مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز إليه بالرمز "ن - 1"..

حرف "النون"، يعني أنه فئة نادرة، أما الرقم "واحد"، فيعني أنه الأوَّل من نوعه؛ هذا لأن "أدهم صبري" رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة، من المسدس إلى قاذفة القنابل.. وكل فنون القتال، من المصارعة وحتى "التايكوندو"…

هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حيَّة، وبراعته الفائقة في استخدام أدوات التنكُّر و"المكياج"، وقيادة السيارات والطائرات، وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعدِّدة..


لقد أجمع الكل على أنه من المستحيل أن يجيد رجل واحد، في سن "أدهم صبري"، كل هذه المهارات.. ولكن "أدهم صبري" حقَّق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة ذلك اللقب، الذي أطلقته عليه إدارة المخابرات الحربية، لقب "رجل المستحيل".

د. نبيل فاروق

ارتفع صرير إطارات سيارة "حسن" وهو يوقِفها بحركة حادة في الشارع المجاور لمبنى السفارة الإسرائيلية، وبكل الحزم تأكَّد من حشو مسدسه بالرصاصات، ومن استعداده للإطلاق، ثم عاد يدسّه في حزامه، وغادر سيارته متجهاً إلى مبنى السفارة..

كان يدرك تماماً أن اقتحامه لسفارة إسرائيلية أمر لم يحدث قط، لا في تاريخ المخابرات، ولا حتى في التاريخ السياسي كله..

وأن هذا سيثير ضجةً ما بعدها ضجة..
ضجة قد تؤدي إلى فصله من جهاز المخابرات..
وربما محاكمته أيضاً..

وفي زمن الحرب سيكون العقاب حتماً عنيفاً..
بل شديد العنف والقسوة..
ولكن هذا لا يهم..
لقد ائتمنه "صبري" على حياة ابنه، وأقسم له هو على حمايته ورعايته، حتى يشتد عوده، ويلتحق بجهاز المخابرات المصري..

وهو يبرّ بقسمه دوماً، ولا يحنث بوعده أبداً..
سيبذل ما بوسعه لإنقاذ "أدهم"..
أياً كان ما سيحدث..
وأياً كان السبب..

فـ "أدهم" بالنسبة إليه، وبعد مصرع "صبري" بالذات، بمثابة ابن..
ابن يستحق أن يدافع عنه بحياته..
وهذا ما سيفعله..
الآن..

تحسَّس مسدسه، وهو يقترب من مبنى السفارة..
ويقترب..
ويقترب..


(مهلاً يا "حسن"..)..

انطلق ذلك الصوت الصارم من خلفه فجأة، فالتفت إليه بحركة حادة تتناسب مع تلك الانفعالات التي يموج بها كيانه، خاصة وأن ذلك الصوت خاطبه باسمه باللغة العربية..

وبحركة غريزية قبضت يده على مسدسه، ولكن يداً فولاذية أمسكت معصمه، وذلك الصوت الصارم يتابع:
- خطأ.. ما تعلمناه يؤكِّد أنه من كبير الخطأ أن يفقد رجل المخابرات أعصابه تحت أي مسمى.

حدَّق "حسن" في وجه صاحب الصوت، وهو يقول في توتر:
- "إبراهيم"؟!.. كيف...

قاطعه رئيس مكتب المخابرات المصرية في "باريس" في حزم:
- كيف عرفنا.. أليس كذلك؟!.. لن أحاول إقناعك بأننا نعرف كل شيء كما يقولون في أفلام السينما، ولكن الملحق العسكري للسفارة أجرى اتصاله بنا؛ خشية ما ستقدم على فعله.

أجابه "حسن" في توتر شديد:
- "إبراهيم".. حاول أن تستوعب الأمر.. إنه ابن "صبري".. لقد سقط في قبضتهم، ولا بد وأن..

قاطعه "إبراهيم" مرة أخرى في حسم:

- ليست هذه هي الوسيلة.. أسلوبك قد يثير معركة حامية، وقد يؤدي إلى قتال عنيف، ينتهي بمصرعك ومصرع ابن "صبري".. هذه الأمور لا تحلُّ على هذا النحو.

قال في عصبية:
- على أي نحو إذن؟!.. لو أننا انتظرنا قليلاً، سيضعونه في صندوق يحمل أختاماً دبلوماسية، ويرسلونه إلى "إسرائيل" أمام سمعنا وبصرنا.

انعقد حاجبا "إبراهيم"، وهو يقول:
- سنحاول أن نمنع حدوث هذا، و...

أوقفه فجأة دوي مكتوم لرصاصة انطلقت من مكان عميق داخل السفارة الإسرائيلية، فانتفض "حسن"، وقال:
- أرأيت.. إنهم يتقاتلون هناك.

كاد يندفع نحو السفارة، لولا أن برز ثلاثة رجال فجأة، وأطبقوا عليه، وكبلوا حركته بقوة، فهتف مقاوماً:
- لا بد وأن أعمل على حمايته.

أجابه "إبراهيم" في صرامة:
- واجبي أن أحميه وأحميك... من نفسك.

حاول "حسن" مرة أخرى مقاومة الرجال الثلاثة، ولكنهم كانوا مدرَّبين على ما يفعلونه، فغمغم "إبراهيم" في ضيق:
- سامحني يا "حسن".. إنها الأوامر.

شعر "حسن" باليأس والمرارة، كما لم يشعر بهما من قبل..
لقد فشل..
فشل في أن يحمي ابن "صبري" كما وعد..
فشل على الرغم منه..
فشل، و...
قبل أن تتواتر أفكاره، اتسعت عيناه في دهشة، وهو يحدِّق في آخر مشهد تصوَّر حدوثه في تلك اللحظات..


مشهد "أدهم" الشاب، وهو يقبض على عنق "جراهام"، ويندفع معه خارج مبنى السفارة الإسرائيلية، وهذا الأخير يهتف بصوت مختنق:
- لا.. لا يمكن أن يحدث هذا.. لا يمكن.

برز رجال أمن السفارة خلف "أدهم"، وهو يصوِّبون نحوه أسلحتهم، ولكن هذا الأخير راح يتحرَّك نحو بوَّابة حديقة المبنى، وهو يدور برهينته حول نفسه، هاتفاً بالعبرية:
- رصاصاتكم ستصيبه قبل أن تصيبني.

تردَّد رجال الأمن، على الرغم من صرخات "جراهام":
- أطلِقوا النار.. لا تتردَّدوا.. أطلِقوا النار.

ولكن الرجال تردَّدوا بالفعل.
لقد خرج "أدهم" إلى حديقة السفارة، وأصبح واضحاً لكل المحيطين بها، وكل المارة في الطرقات، الذين توقفوا يتابعون ما يحدث في دهشة، وإطلاق النار في ظل هذه الظروف أمر شديد الخطورة، ويتجاوز كل القواعد..

ولكن "أدهم" كان يقترب من بوَّابة الحديقة، ولو أمكنه عبورها سيخرج من أرض إسرائيلية -وفقاً للقواعد الدبلوماسية- إلى أرض فرنسية، وسيفقدون السيطرة عليه.. تماماً..

الكل أدرك هذه الحقيقة، حتى أن "حسن" هتف بكل انفعاله:
- هيا يا "أدهم".. هيا.. اعبرها يا فتى.. افعلها بالله عليك.

ولسبب عجيب، وربما بإشارة خفية من "إبراهيم"، أفلت الأشداء الثلاثة "حسن"، الذي اندفع نحو البوَّابة في نفس الوقت الذي كان حارسها فيه يصوِّب سلاحه إلى "أدهم"، فهوى "حسن" على فكه بلكمة كالقنبلة، باغتت الرجل، وألقته أرضاً في عنف، وغمغم أحد الأشداء الثلاثة في عصبية:
- السيِّد "حسن" اقتحم أرض السفارة.

غمغم "إبراهيم":
- عجلة القدر تسير، ولا أحد يمكنه اعتراض طريقها.

استدار "أدهم" الشاب في هذه اللحظة، ودفع جسد "جراهام" نحو رجال الأمن، ثم استجمع كل ما تبقى له من قوة، وانطلق يعدو نحو البوَّابة، و"حسن" يعدو لملاقاته، فرفع رجال الأمن الإسرائيليين مسدساتهم نحوه مرة أخرى، وصوَّبوها بمنتهى الدقة، فوثب "حسن" نحو "أدهم"، هاتفاً:
- احترس.

وانطلقت رصاصة نحو "أدهم" مباشرة استقبلها "حسن" بجسده، وهو يدفع "أدهم" بقوة خارج حديقة السفارة، وفي نفس اللحظة التي سقط فيها "حسن" مصاباً بالرصاصة، سقط جسد "أدهم" خارج أرض السفارة، وأشار "إبراهيم" إلى الأشداء الثلاثة، هاتفاً:
- هيا...

اندفع الثلاثة نحو السفارة، وحمل أحدهم "أدهم"، في حين اقتحم الآخران البوَّابة، وجذبا جسد "حسن" خارجها، ولكن "جراهام" انتزع مسدس أحد رجال الأمن، واندفع به نحو البوَّابة، هاتفاً:

- لن يفلت مني.. لن يفلت، حتى لو تجاوزت كل قوانين الدنيا.

كان يصوِّب مسدسه في إحكام نحو رأس "أدهم"، عندما اعترض المفتّش "آلان" طريقه فجأة، وهو يقول في صرامة:
- جواز سفرك الدبلوماسي لن يعفيك هذه المرة يا سيد "جراهام"، فهم على أرض فرنسية.

احتقن وجه "جراهام" بشدة، ونقل بصره بين "آلان"، والرجال الذين ينقلون "أدهم" و"حسن" إلى سيارة كبيرة، تحمل أرقام دبلوماسية، ثم لم يلبث أن خفض فوهة المسدس، مغمغماً:
- اللعبة لم تنتهِ بعد أيها المفتش.. سنلتقي مرة أخرى.

ورمق "أدهم" بنظرة مقت، مردفاً:
- كلنا سنلتقي.

غمغم "آلان" في توتر:
- أتعشَّم هذا.

ثم التفت إلى "إبراهيم"، الذي غمغم:
- يمكنني أن أفسّر لك الأمر.

أشار "آلان" بيده قائلاً في حزم:
- لست أريد أية تفسيرات.. جوازاتكم الدبلوماسية لا تمنحني حق استجوابكم، إلا بعد استئذان وزارة الخارجية، ولست مستعداً لإضاعة عمري في عمل روتيني أحمق كهذا.

وصمت لحظة، ثم أردف في خبث:
- خاصة لو أنهم غادروا البلاد قبل الحصول على التصريح اللازم.

استوعب "إبراهيم" الرسالة، وغمغم:

- فهمت.

وكان هذا توقيعاً على عقد نهاية العملية..
وبداية بروز الأنياب..
أنياب الأسد..

* * *

"كيف حالهما الآن؟!.."

ألقى "قدري" السؤال في قلق شديد، وهو يقف أمام حجرة العناية المركزة، في المستشفى التابع للمخابرات العامة، فابتسم رجل المخابرات الواقف أمامه، وقال في هدوء:
- كلاهما بخير.. السيد "حسن" أجريت له جراحة ناجحة، أنقذته من موت محقق، وسيتعافى خلال أسبوعين على الأكثر.

تساءل "قدري" في لهفة:
- وماذا عن "أدهم"؟!

صمت رجل المخابرات لحظات، ثم قال:
- إنه بخير من الناحية الجسدية، ولكنه مصاب بفقدان ذاكرة محدود، يبدو أنه ناشئ عن تعرُّضه لتعذيب شديد تركَّز حول رأسه ومخه، فهو لا يذكر بالتحديد ماذا حدث في السفارة الإسرائيلية، ولا كيف نجح في الفرار منها، ولكن معلوماتنا تقول: (إن طبيب السفارة قد لقي مصرعه برصاصة طائشة في قبوها)، و"أدهم" لا يذكر من استجوبه، ولا كيف.. بل إنه...

تردَّد رجل المخابرات لحظات عند هذه النقطة، فسأله "قدري" في قلق:
- إنه ماذا؟!

أجابه في خفوت آسف:
- إنه لا يذكرك أيضاً يا "قدري".

صدم القول "قدري"، فغمغم في هلع:
- لا يذكرني أنا؟

هزَّ رجل المخابرات رأسه، وقال:
- الأطباء يقولون: (إنه قد يستعيد وعيه قريباً، أو ربما خلال بضع سنوات)، ولكن يوماً ما سيذكرك حتماً يا "قدري"، وسيذكر كل ما فعلته من أجله.

صمت "قدري" بضع لحظات في تأثُّر، ثم قال في خفوت:
- هذا لا يهم.. المهم أنه حي.. وبخير.

ربت رجل المخابرات على كتفه، مغمغماً:
- ونِعْم الصداقة.. صدِّقني يا "قدري".. المخابرات فخورة بانضمامك إليها.

استدار إليه "قدري" في دهشة، فتمتم مبتسماً:

- نعم يا "قدري" لقد أصبحت منضماً إلينا رسمياً منذ هذا الصباح، وسيحمل ملفك أوَّل إنجاز لك.

غمغم "قدري":
- إنجاز؟!.

اتسعت ابتسامة رجل المخابرات، وهو يقول:
- بالتأكيد، لقد ساهمت في تحوّل أفضل أشبالنا إلى أسد.. أسد له أنياب حادة.. أنياب ستصنع يوماً جزءاً من هذا التاريخ.. تاريخ مصر.

لحظتها فقط شعر "قدري" بالفخر..
كل الفخر.

ليس فقط لأنه ساهم في صنع تاريخ وطن، ولكن أيضاً لأنه وضع بصمة في بروز أنياب "أدهم صبري"..
أنياب الأسد..
المصري.

* * *
[تمت بحمد الله]


الحلقات السابقة من
"أنياب الأسد "

* * *

26-غليان..
25- العذاب..
24-في قبضتهم..
23- غيبوبة..

22- الثعلب..
21- شاب.. وشاب..
20- فضل..
19- سباق الموت..
18- الفرنسيون وصلوا..
17-مخالب الوحوش..
16-أسيرخاص
15- هذا الشبل..
14- الشاب..
13- الليل..
12- رصاصة...
11- ليلة الدم..
10 - القتلة ...
9- مسألة أمن..
8 - تأشيرة..
7 - سؤال..
6 - إسرائيل..
5 - الغائب
4 - اغتيالات
3 - أصابع فنان
2 - انتقام..
1- مرارة..

* * *

سلسلة الجولة الباريسية

17 - الختام..
16 - اغتيال..
15 - دماء..
14- إسرائيليات...
13- خطة...
12- لندن...
11 - أدهم..
10 - رصاصة في الليل..
9 - الصدمة..
8 - المفر..
7 - جنون..
6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان

سلسلة البداية

12- الختام...
11- دراجة..
10- الضائع...
9- الثعلب..
8 – مطاردة...
7 – كي. جي. بي..
6 - الماجور ديمتري"..
5- موسكو..
4- في الميدان..
3- نمو
2- ثغرة
1- الفكرة



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني