|
لا بد وأن ينتقم..
لا بد..
لقد فعل كل هذا؛ ليثأر لوالده ممن اغتالوه بيد الغدر..
ولن يسمح لنفسه بأن يخسر..
أو يفشل..
أو يتراجع..
سيُقاتل..
ويقاتل..
ويقاتل..
حتى آخر رمق..
وآخر نفس..
وآخر قطرة دم..
(لا يا "أدهم".. لم يحِنِ الوقت بعد..)..
أدهشه أن يسمع صوت والده بكل هذا الوضوح، فتلفَّت حوله، محاولاً أن يخترق ببصره هذا الضباب الكثيف المحيط به من كل جانب، وهو يهتف:
- أبي.. أين أنت؟!.. أين؟!
أتاه صوت والده المعتاد، وهو يقول في رصانة لا تخلو من الصرامة:
- لا تبحث عني يا "أدهم".. ابحث عن كلماتي.. عن كل ما لقّنتك إياه في حياتي.. ابحث عمّا تعلمته مني، وما تدربت عليه طوال حياتك.. وتذكّر القاعدة الذهبية.
تساءل في حيرة:
- أية قاعدة؟!
أجابه في حزم:
- الوقت المناسب يا "أدهم".. لا تضرب ضربتك قط قبل أن يحين الوقت المناسب.
عاد "أدهم" الشاب يتلفّت حوله، وهو يتساءل:
- أتعني ألا أحاول الانتقام لك ممن اغتالوك غدراً وغيلة؟!
أجابه صوت والده، وهو يتابعه في بطء:
- أعني أن تتعلَّم الصبر والتريث حتى تصبح اللحظة مناسبة يا "أدهم".. الشبل لا يتحوَّل في يوم وليلة إلى أسد.. كل شيء له موعده يا "أدهم".. كل شيء.
تساءل "أدهم" في توتر شديد:
- إذن فينبغي أن أنتظر، حتى أعرف وأستعد.
بدا صوت والده شديد البعد، وهو يقول:
- بالضبط.. إنه درس جديد تتعلمه يا ولدي.. درس أخير.
ظلَّت الكلمة الأخيرة تتردَّد في أذنيه، وهو يتلفت حوله..
ويتلفت..
ويتلفت..
والضباب يتكاثف..
ويتكاثف..
ويتكاثف..
و..

(إنه يستيقظ)
اخترق الصوت أذنيه دون أن يبدو مصدره واضحاً، وإن شعر أنه قريب للغاية، فقاوم ذلك التهالك الشديد الذي يشعر به، وفتح عينيه في صعوبة؛ ليحدق في "دافيد جراهام" الواقف أمامه، والذي ابتسم في ظفر، قائلاً لطبيب السفارة الإسرائيلية:
- أنت على حق.. لقد استعاد وعيه.
انحنى الطبيب يفحص "أدهم"، الذي شعر بسمّاعته الباردة على صدره على نحو بعث في نفسه قشعريرة خافتة، قبل أن يقول الطبيب:
- إنه قوي، وحالته الجسمانية ممتازة.. سيكون مستعداً للاستجواب بعد دقائق قليلة.
غمغم "جراهام"، وعيناه تلتمعان في ظفر:
- عظيم.
تراجع الطبيب في حركة متوترة، ووقف صامتاً في ركن المكان الذي بدا لـ"أدهم" أشبه بقبو رطب، فتمتم، وهو يحاول استعادة السيطرة على عقله:
- أين جئتم بي؟!
المدهش أنه -على الرغم من تشتته الذهني- نطقها بلغة إنجليزية سليمة، مواصلاً انتحال شخصية "روبرت كال"، فابتسم "جراهام"، وجذب مقعداً، ليجلس أمامه قائلاً:
- لن يجدي هذا.. نحن نعلم أنك مصري.
رفع "أدهم" عينيه إليه، والتقت نظراتهما لحظات، دون أن ينبس "أدهم" ببنت شفة، أو يبدي انفعالاً مؤيداً أو نافياً، فتابع "جراهام" في هدوء ظافر:
- السؤال الذي نحتاج إلى معرفة إجابته فعلياً هو: لماذا يطاردك المصريون؟!
لم يكد السؤال يخترق أذني "أدهم"، حتى استوعب منه الكثير..
والكثير جدّاً..
فهذا السؤال بالتحديد يعني أنهم لا يعرفون تحديداً من هو..
ولماذا أتى..
وماذا يفعل..
وإلى ماذا يسعى..
وهذا يمنحه فرصة للخداع..
والتلاعب..
والتحايل..
"حاول أن تستنتج"..
نطقها "أدهم" في بطء متحدٍّ، جعل "جراهام" يعقد حاجبيه في شدة، ويقول مستنكراً في غضب:
- أستنتج؟!..
ثم مال نحوه، حتى كاد يلتصق به، وهو يضيف:
- إنني حتى لن أحاول.. ستدلي أنت إليَّ بكل ما لديك، وكل ما تعرفه عن نفسك قبل أن أنتهي منك.
حملت نظرة "أدهم" المزيد من التحدِّي، على نحو استثار مسئول أمن السفارة الإسرائيلية "جونسون"، والذي بقي صامتاً منذ البداية، فقال في سخط:
- إنه يتحدانا.
أشار إليه "جراهام" بالصمت، ثم سأل "أدهم" بمنتهى الصرامة:
- ما اسمك الحقيقي؟!
أجابه "أدهم"، بصوت حمل رنة ساخرة:
- "روبرت كال".
بدا "جراهام" أكثر صرامة وشراسة، وهو يقول:
- كلانا يعلم أنه ليس اسمك الحقيقي.. كل الأسماء التي حملتها حتى الآن، ليست اسمك الحقيقي حتماً، ولا حتى اسم "أدهم صبري"، الذي حملته في المرة السابقة.
ابتسم "أدهم" الشاب في سخرية، مقلداً أحد الأشخاص الذين أثاروا إعجابه فيما مضى:
- هل تظن هذا حقاً؟!
تراجع "جراهام"، قائلاً:
- وأنت ستمنحني الجواب المناسب.. الآن.
قال "أدهم"، بنبرة تفيض بالتحدي:
- هذا ما تتمناه.
انعقد حاجبا "جراهام" في شدة، في حين اندفع "جونسون" يقول في غضب هادر:
- اتركه لي يا أدون "جراهام"، وسأجعله يروي قصة حياته كلها بعد ساعة واحدة.
استدار إليه "جراهام" بحركة حادة، هاتفاً بكل الصرامة:
- اصمت.
صُدِم "جونسون" للقول، وتراجع في حنق، وراح يهمهم ببضع كلمات غير مفهومة، في حين أشار "جراهام" إلى الطبيب، وقال:
- يمكنك أن تبدأ.
التقط الطبيب محقناً، يحوي مادة شفافة، ومال نحو "أدهم"، وكشف ذراعه المقيدة إلى المقعد المعدني الضخم، الذي يجلس عليه، فقال "أدهم" في بطء:
- بنتوثال الصوديوم (*).
قال "جراهام"، والطبيب يحقن "أدهم" بتلك المادة بالفعل:
- من الواضح أنك تعرف الكثير، ولكنها ليست كذلك.. إنه عقار خاص، يضاعف من شدة مرور التيار الكهربي في جسدك.
تمتم "أدهم" في حذر:
- تيار كهربي؟!
أشار "جراهام" إلى بعض الرجال، فراحوا يوصلون رأس "أدهم" بعدد من الأسلاك، و"جراهام" يجيب بعينين متألقتين، توحيان بأنه يستمتع بكل ثانية:
- بالضبط.. تيار كهربي سيسري في عقلك بشدة، على نحو تشعر معه وكأن مخك يغلي داخل جمجمتك، وبعد دقيقة واحدة، ستكون مستعداً للوشاية بأمك نفسها، على ألاّ تمر بهذا العذاب مرة ثانية.
ثم أشار بيده، مضيفاً في صرامة وحشية:
- هيا.

وضغط أحد الرجال زراً، يتصل بالجهاز الذي تنبع منه الأسلاك..
وانطلق التيار الكهربي إلى رأس "أدهم"، الذي لم يستطع كبت صرخة مدوية، انطلقت عبر حلقه..
لقد شعر بالفعل أن مخه يغلي داخل جمجمته..
ويغلي..
ويغلي..
ويغلي..
* * *
(*) مادة يطلق عليها اسم "مصل الحقيقة"؛ لأنها تضع من يحقن بها في حالة لا تسمح له بابتكار الأكاذيب، فينطق الحقائق.
![]()
الحلقات السابقة من
"أنياب الأسد "
* * *
24-في قبضتهم..
23- غيبوبة..
22- الثعلب..
21- شاب.. وشاب..
20- فضل..
19- سباق الموت..
18- الفرنسيون وصلوا..
17-مخالب الوحوش..
16-أسيرخاص
15- هذا الشبل..
14- الشاب..
13- الليل..
12- رصاصة...
11- ليلة الدم..
10 - القتلة ...
9- مسألة أمن..
8 - تأشيرة..
7 - سؤال..
6 - إسرائيل..
5 - الغائب
4 - اغتيالات
3 - أصابع فنان
2 - انتقام..
1- مرارة..
* * *
سلسلة الجولة الباريسية
سلسلة البداية
12- الختام... |


