|

احتقن وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي في شدة، وهو ينتفض غضباً، صارخاً في وجه مدير "الموساد":
- هل جننت؟!.. كيف تقدم على اغتيال ناشط مسالم، في قلب عاصمة كبرى، وعلى نحو سافر.
أجابه الرجل في هدوء:
- في عُرْفنا لا يوجد ما يسمى بـ(ناشط مسالم).. ربما كان كفاحه يقتصر على قلمه ولسانه فحسب، ولكن هذا لا يجعله مسالماً.. إنه أخطر بكثير من حاملي السلاح.
صرخ رئيس الوزراء:
- وفي قلب عاصمة كبرى؟!
بدا مدير الموساد بارداً وهو يقول:
- لا يمكننا دوماً اختيار ساحة القتال.
لوَّح رئيس الوزراء بذراعيه في حدة وهو يهتف، وقد امتزج غضبه بمرارة لا حدَّ لها:
- ولكن كان يمكنكم التزام الحرص على الأقل.. لقد نفَّذ رجالك العملية، وتركوا خلفهم قطعة سلاح صغيرة، منقوش عليها في وضوح عبارة "صنع في إسرائيل"، وكأنهم يُعلنون هويتهم.. لم يكن ينقصهم سوى إعلان تجاري في محطات التليفزيون.
بذل مدير الموساد جهداً ليخفي التماعة عينيه، وهو يقول:
- لا وجود للعملية المتقنة مائة بالمائة.. هناك دوماً احتمال للخطأ.
انهار رئيس الوزراء على مقعده، ودفن وجهه بين كفيه قائلاً بكل مرارة الدنيا:
- في هذه المرة سيكون الخطأ فادحاً.. للغاية.
ولم ينطق مدير الموساد بحرف واحد..
لقد نفَّذ خطته بمنتهى الإحكام..
ودون ثغرة واحدة..
وضمن منصباً في المنظومة السياسية القادمة..
ومن يدري، ربما يصبح وزيراً..
من يدري؟!..
من؟!..
* * *
ارتجف جسد وصوت المزوِّر الفرنسي "روجيه" على الرغم منه، وهو يقف داخل مكتب المفتش "آلان"، وراح يتلفَّت حوله في عصبية قائلاً:
- أنا لم أوافق.. هو طلب مني جواز السفر، ولكنني لم أصنعه.
قال "آلان" في صرامة:
- لم يتَّهمك أحد بشيء بعدُ.
سأله في عصبية:
- لماذا أنا هنا إذن؟!
زمجر "آلان" قائلاً:
- لتتعرف على الشاب الذي ألقينا القبض عليه، وفقاً للمعلومات التي حصلنا عليها منك.. ألم أخبرك بهذا من قبل؟!
غمغم "روجيه":
- بلى.. ولكن..
صرخ فيه بنفاد صبر:
- لا يوجد لكن.. اصمت وانتظر.
أطبق "روجيه" شفتيه مرغماً، وإن راح يرتجف في عصبية زائدة، وعيناه معلقتان بعقارب ساعة الحائط، التي بدت وكأنها قد تجمَّدت في مكانها، ولم تعد تسير سنتيمتراً واحداً..
المفتش الفرنسي أيضاً شعر بالتوتر نفسه، والذي بدا ملحوظاً من فركه كفيه قبل أن يضغط زر جهاز اتصال قديم إلى جواره، ويقول في عصبية:
- أين "بيير"؟!.. لماذا لم يأتِِ بالشاب؟!
أجابه أحد رجاله:
- إنه في الطريق إليك يا سيدي.
رفع "آلان" عينيه إلى الباب في توتر، وبدت له اللحظات أشبه بدهر كامل، قبل أن يسمع طرقات على باب مكتبه، جعلته يكاد يثب من مكانه، وهو يهتف في انفعال:
- ادخل يا "بيير".
وفتح "بيير" الباب..
ودخل..
وتبعه الشاب..
وارتجف "آلان" و"روجيه"..
معاً..
* * *

"أأنت واثق أنه هو؟!.."
ألقى "حسن" السؤال في عصبية على مسامع الملحق العسكري المصري، الذي قال في قلق:
- ليست لدينا معلومات كافية بعد.. رجالنا نقلوا الخبر من مصادر في قلب الشرطة الفرنسية، ولكن أحدهم لم يرَ الشاب بنفسه، وإن حصل على مواصفاته فحسب.
تساءل "حسن" في تردُّد:
- وهل مواصفاته......
لم يتم تساؤله، ولكن الملحق العسكري أومأ برأسه إيجاباً، وازدرد لعابه في صعوبة، وهو يقول:
- تنطبق على "أدهم".. نعم للأسف.
انعقد حاجبا "حسن"، وشعر بانقباضة مؤلمة في قلبه، وهو يغمغم:
- إذن فقد سقط في قبضتهم.
تردَّد الملحق العسكري قبل أن يقول في حذر:
- على الأرجح.
التفت إليه "حسن"، وانعقد حاجباه في شدة قبل أن يقول بدوره:
- نعم.. على الأرجح.
في نفس اللحظة التي نطقها فيها، كان "دافيد جراهام" يراجع آخر التقارير الأمنية، في مكتب "جونسون" مسئول أمن السفارة الإسرائيلية، وهو يقول:
- إذن فالفرنسيون يقولون: إنهم قد أوقعوا به.
قال "جونسون" في انفعال:
- إنهم يؤكِّدون هذا.
رفع "جراهام" عينيه إليه قائلاً في صرامة:
- من وجهة نظرهم؟!
نظر إليه "جونسون" في تساؤل، فأضاف في حزم:
- لا بد وأن نراه بأنفسنا.
تساءل "جونسون" في حذر:
- أتريدنا أن نلتقط صورته؟!
هزَّ "جراهام" رأسه نفياً، ومال نحوه قائلاً:
- بل أن نراه.
تساءل "جونسون" بحلق جافٍّ:
- مباشرة؟!
أومأ "جراهام" برأسه إيجاباً في بطء، وقال:
- نعم.. مباشرة.
تساءل "جونسون"، وقد بدا حلقه أشبه بالصحراء:
- وكيف هذا؟!
تألَّقت عينا "جراهام"، وهو يجيب:
- بأبسط الطرق في الوجود.. الطريق المباشر.
وتضاعف تألُّق عينيه، مع ابتسامته الغامضة التي لم يفهمها "جونسون"..
أبداً..
* * *
تطلَّعت السياسية الإسرائيلية "جولدا مائير" إلى مدير "الموساد" لحظات في صمت، قبل أن تقول في بطء:
- إذن فأنت تضمن سقوط رئيس الوزراء الحالي في الانتخابات القادمة.
أومأ برأسه إيجاباً، وهو يبتسم في ثقة قائلاً:
- بنسبة ثمانين بالمائة.
مطَّت شفتيها، وكأنما لا تروق لها هذه النسبة، ثم تراجعت في مقعدها تسأله:
- ماذا تنتظر في المقابل؟!
تألَّقت عيناه لهذا السؤال المباشر، وأجاب في لهفة لم يحاول إخفاءها:
- ما تجودين به.
سألته في حذر:
- البقاء في منصبك؟!
تألَّقت عيناه أكثر، وهو يقول:
- أو الوزارة.
اعتدلت بحركة حادة، وانعقد حاجباها الكثَّان، وهي تتطلَّع إليه، فأردف ولعابه يكاد يسيل لهفة:
- وزارة الدفاع.
وانعقد حاجباها أكثر.
وأكثر..
وأكثر..
تماماً مثلما انعقد حاجبا المفتش "آلان"، في اللحظة نفسها، في قلب "باريس" مع خطورة تلك المعلومة، التي أدلى بها "روجيه"، في وجود الشاب..
لقد كانت معلومة شديدة الخطورة..
بحق...
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"أنياب الأسد "
* * *
19- سباق الموت..
18- الفرنسيون وصلوا..
17-مخالب الوحوش..
16-أسيرخاص
15- هذا الشبل..
14- الشاب..
13- الليل..
12- رصاصة...
11- ليلة الدم..
10 - القتلة ...
9- مسألة أمن..
8 - تأشيرة..
7 - سؤال..
6 - إسرائيل..
5 - الغائب
4 - اغتيالات
3 - أصابع فنان
2 - انتقام..
1- مرارة..
* * *
سلسلة الجولة الباريسية
سلسلة البداية
12- الختام... |


