|
في نفس اللحظة التي اقتحم فيها "نور" حجرة "أكرم" في مستشفى "الإسكندرية" كان الشاب النسر يندفع عبر النافذة، وينطلق مبتعداً حاملاً "أكرم"، الذي لم يستعِد كامل وعيه بعد، فصاحت "سلوى" في هلع:
- "نور".. أطلق أشعة مسدسك يا "نور".. أوقفه.
ان "نور" يصوِّب مسدسه الليزري إلى الشاب النسر بالفعل..
ولكنه لم يطلق النار..
وفي انفعال جارف كرَّرت "سلوى":
- أوقفه يا "نور".
قال "نور" في توتر:
- وماذا عن "أكرم"؟!
صرخت:
- إنه يختطفه.
هتف بها:
- ولو أسقطناه سيسقط معه.

انتبهت فجأة إلى الموقف الذي غاب عن ذهنها من فرط انفعالها، فاتسعت عيناها عن آخرهما في ارتياع، وهي تحدِّق في النسر البشري الذي بدأ يختفي في الظلام بحمله، وتفجَّرت الدموع من عينيها، وهي تقول في مرارة:
- وهل سنتركه له؟!
لم ينطق جواباً، وهو يقبض على مقبض مسدسه في قوة انفعالية قبل أن يضغط زراً في ساعة اتصالاته، قائلاً:
- أريد اتصالاً مباشراً بالقمر الصناعي، فوراً.
فوجئ بصوت أنثوي من خلفه، يقول في مزيج من السخرية والشراسة:
- لست أظنك تجد الوقت لتتبعه.
استدار الكل في سرعة إلى مصدر الصوت، وشهقت "سلوى" في دهشة مذعورة، في حين انعقد حاجبا "نشوى" في شدة، وهتف " نور":
- عروس البحر؟!!
كانت الحسناء نصف القرش تقف عند باب الحجرة، وقد برزت زعنفتها الخلفية الحادة، وأطلَّت أنيابها الحادة، الشبيهة بأنياب القرش، من فكيها اللذين اتخذا هيئة عجيبة مخيفة، تجمع ما بين البشر والدولفين..
وفي سرعة صوَّب "نور" مسدسه الليزري إليها..
ولكنها انقضت في سرعة..
انقضَّت ليس على "نور"، ولكن على "نشوى"..
في حركة سريعة غير متوقَّعة، تجاوزت "سلوى"، وأمسكت "نشوى" من كتفيها، ووضعت أسنانها الحادة على عنقها، فصرخ "نور" و"سلوى" في آن واحد:
- لا..
تألَّقت عينا الحسناء، وهي تقول:
- تريدونها حية.. أليس كذلك؟!
انعقد حاجبا "نور" في شدة، في حين هتفت "سلوى":
- أرجوكِ.
أصدرت الحسناء صوتاً حادّاً، أشبه بأصوات الدلافين، وهي تقول:
- لو تحرَّك أحدكما خطوة واحدة، سأقضم عنقها بلا رحمة.
حاولت "نشوى" التملُّص منها، ولكنها أمسكت ذراعيها بقوة مخيفة أجبرتها على الثبات، فهتفت بأبويها:
- أوقفوها.. أوقفوها، حتى لو كانت حياتي هي الثمن.
أطلقت الحسناء صوتاً ساخراً، وقالت:
- ما تطلبينه مستحيل يا فتاتي، حتى لو أردتيه مخلصة؛ لأنهما أبوان، ولن يضحيا بحياتك مهما حدث.
تمالك "نور" أعصابه، أو أنه حاول هذا، وهو يقول:
- سنعقد صفقة معاً.
قالت الحسناء في سخرية:
- صفقة؟!
أجابها في توتر:
- اتركي "نشوى"، وسنتركك تنصرفين من هنا.
أطلقت ضحكة ساخرة امتزج فيها صوتها البشري بأصوات سمكية مختلفة (*)، وهي تقول:
- صفقة مرفوضة أيها الذكي.. سأخرج من هنا تحت سمعكم وبصركم، دون أن يجرؤ مخلوق واحد منكم على أن يمسني بسوء.
بدت "سلوى" مذعورة، وهي تلتصق بـ"نور"، الذي قال في عصبية:
- وماذا لو أطلقت النار على رأسك الآن؟!
قالت ساخرة:
- حاول أن تسبق أسناني، التي ستنهش عنق ابنتك أمام عينيك لو تراقصت سبَّابتك على زناد مسدسك..
بدا عليه التوتر الشديد، وتعلَّقت به "سلوى" في ارتياع شديد، فتابعت الحسناء، وهي تتراجع مع "نشوى" نحو باب الحجرة..
- ولاحظ أنني أتمتَّع ببصر قرش أبيض اعتاد السباحة في أعماق سحيقة، ومهاجمة فرائسه في ظلام شبه دامس.
كان الموقف عسيراً بالفعل..
"أكرم" تم اختطافه أمام عيونهم، وها هي ذي "نشوى" قد تواجه المصير نفسه دون أن يملكوا ما يفعلونه..
وعروس البحر الوحشية تلك لديها خطة ما حتماً..
خطة تعرفها..
ويجهلونها..
ولكنه لن يسمح باختطاف ابنته أمام عينيه وعيني زوجته دون أن يحرِّك ساكناً..
سيقاوم..
وسينقذ ابنته..
ولكن كيف؟!..
كيف؟!..
تلك المتوحِّشة تملك بصراً حاداً، وأسناناً أكثر حدة، وسرعة تفوق سرعته حتماً، مما يجعل سرعتها في إيذاء "نشوى" تفوق سرعته في إنقاذها..
ولكن هناك حتماً وسيلة ما..
كل ما يبدو محكماً ينطوي حتماً على ثغرة ما..
ثغرة تحتاج إلى تفكير..
وتركيز..
ودراسة..
"لا تحاول.."..
نطقتها الحسناء القرش، وهي تقترب بـ "نشوى" من الباب، قبل أن تستطرد في سخرية شرسة:
- لو أنك تفكِّر في القيام بمغامرة مدروسة، فأنصحك أن تعدل عن تفكيرك هذا.. لن تفلح لعبتك قط.
رفع "نور" فوهة مسدسه الليزري نحوها، وهو يقول في صرامة لم تخْلُ من توتره:
- ولو أنك تفكرين في اختطاف ابنتي أمام عيوننا، فأنت واهمة.. لن أسمح بهذا مهما كان الثمن.
قالت في سخرية:
- اختطاف ابنتك؟!
ثم أطلقت ضحكة ساخرة رفيعة، جعلته يعقد حاجبيه في شدة، قبل أن تقول في لهجة شديدة السخرية:
- ماذا وجدت في حجرة الطوارئ؟!

استعاد ذهن "نور" الموقف السابق كله في لحظات..
لقد سمع ما حدث في حجرة الطوارئ، واندفع إلى هناك، ولكنه وجد القتلى ولم يجد القاتل..
وعندما عاد مسرعاً، إثر سماعه صرخة "سلوى" حدث ما حدث..
وجاء موقفه الحالي..
ولكن ماذا تعنيه الحسناء الوحشية بسؤالها؟!..
ماذا؟!..
تألَّقت عينا الحسناء، وكأنها قد قرأت أفكاره، وقالت في سخرية:
- عثرت على الضحايا، ولم تعثر على القاتل.. أليس كذلك؟!
اتسعت عينا "سلوى" في ارتياع، وهي تقول:
- ضحايا؟!.. ما الذي يعنيه هذا يا "نور"؟!.. ما الذي يعنيه؟!
أطلقت الحسناء ضحكة ساخرة أخرى، وكأنما يسعدها أن يحار في تفسير الأمر، وعادت "سلوى" تهتف:
- ما الذي يعنيه يا "نور"؟!
انطلق في تلك اللحظة صهيل جواد في الممر الخارجي، فاتسعت عينا "نور"، وهتف في انفعال:
- يا إلهي!.. "رمزي"؟!
أطلقت الحسناء ضحكة مستفزة، وهتفت:
- تريدان ابنتكما؟!
ثم دفعت "نشوى" نحوهما مستطردة:
- ها هي ذي.
وبينما يلتقط "نور" و"سلوى" ابنتهما في لهفة دارت الحسناء على عقبيها، واندفعت خارج الحجرة، فأطلق "نور" أشعة مسدسه خلفها، ولكن خيوط الأشعة ارتطمت بالباب، قبل أن يعدو هو خلفها هاتفاً:
- لا يمكننا أن نسمح لها بالفرار معه.
صاحت "سلوى":
- مع من؟!
أجابها، وهو يندفع خارج الحجرة:
- "رمزي".. لقد خدعتنا؛ ليختطف زميلها "رمزي".
واتسعت عيون "سلوى" و"نشوى" في ارتياع..
فقد كانت الصدمة قوية..
للغاية.
* * *
(*) تثبت الدراسات أن الأسماك تصدر أصواتاً فيما بينها، وأن بعض أنواعها تتخاطب بتلك الأصوات، التي يمكن سماع بعضها بالأذن المجرَّدة، وأشهر أنواع الأسماك المتحدِّثة الدولفين، الذي يملك جهازاً صوتياً متطوراً.
![]()
الحلقات السابقة من
"الجيل الثالث "
15- فريق الوحوش..
14- ولكن لماذا؟!..
13- مخالب وأنياب..
12- هجوم بحري...
11- أنفاس نارية..
10 - تجارب ..
9- اقتحام..
8 - الوحوش..
7 - المخلوق..
6 - وتستمر التجربة..
5 - نفوذ..
4 - المزيج..
3 - أظافر..
2 - اللغز
1- جينات
* * *
سلسلة كــائنات
* * *
سلسلة قلب الذرة
12- ختام.... |


