history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

"أدهم صبري".. ضابط مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز إليه بالرمز "ن - 1"..

حرف "النون"، يعني أنه فئة نادرة، أما الرقم "واحد"، فيعني أنه الأوَّل من نوعه؛ هذا لأن "أدهم صبري" رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة، من المسدس إلى قاذفة القنابل.. وكل فنون القتال، من المصارعة وحتى "التايكوندو"…

هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حيَّة، وبراعته الفائقة في استخدام أدوات التنكُّر و"المكياج"، وقيادة السيارات والطائرات، وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعدِّدة..


لقد أجمع الكل على أنه من المستحيل أن يجيد رجل واحد، في سن "أدهم صبري"، كل هذه المهارات.. ولكن "أدهم صبري" حقَّق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة ذلك اللقب، الذي أطلقته عليه إدارة المخابرات الحربية، لقب "رجل المستحيل".

د. نبيل فاروق

شعرت السياسية الإسرائيلية "جولدا مائير" بقلق عارم، عندما التقى بها رجل غامض، في اجتماع حزبها، وأخبرها بأن مدير "الموساد" يرغب في مقابلتها..
سراً..

كانت تعلم أن النظام السياسي في "إسرائيل" جعل تبعية جهاز المخابرات لمجلس الوزراء، ورئيس الوزراء، وليس رئيس الجمهورية، كالمتبع في الدول العربية و"أمريكا" ومعظم دول "آسيا"..

ولقد دفعها هذا إلى التساؤل، عما يريده منها مدير "الموساد" بالضبط؟!..
أهو أمر يتعلَّق في إعلانها ترشيح نفسها لرئاسة الوزراء، في الدورة القادمة؟!..

أما أنه أمر شخصي؟!..
جالت عشرات الأسئلة في رأسها، ولكنها أجلتها، لحين لقائها به..

وفي المكان الذي حدَّده، وعبر وسائل معقدة، ومحاطة بسرية بالغة، التقى الطرفان.. مدير "الموساد"..
و"جولدا"..

وفي اللحظة الأولى للقائهما، بدت "جولدا" عدوانية، وهي تقول:
- لماذا طلبت مقابلتي؟!

ابتسم مدير "الموساد"، قائلاً:
- ولِمَ لا تجلسين أوَّلاً؟!

كرَّرت، في عدوانية صارمة:
- لماذا طلبت مقابلتي؟!

اتسعت ابتسامته، وهو يقول:
- لأمر يفيد حملتك الانتخابية.

انعقد حاجباها الكثان، اللذان يشبهان حواجب الرجال، وتطلَّعت إليه بضع لحظات في شك، قبل أن تقول:
- ولماذا؟!

تساءل في حذر:
- لماذا يفيدك؟!

قالت في حدة:
- بل لماذا تفعل ما يفيدني؟!

اكتفى بابتسامة هادئة، فاستطردت في حدة أكثر:
- المفترض أنك تتبع رئيس الوزراء الحالي.

قال في هدوء:
- هذا صحيح.

بدا عليها غضب واضح، وهي تقول:
- أريد أن أفهم.

التقط صورة ضوئية، لقرار رئيس الوزراء الأخير، وناولها إياه، قائلاً:
- ربما يجعلك هذا تفهمين.

اختطفت الورقة من يده اختطافاً، والتهمت كلماتها في لحظات، قبل أن ترفع عينيها إليه بحركة حادة، هاتفة:
- قسم للاغتيالات؟!.. هل تدرك أية ضجة، يمكن أن يثيرها، خبر إنشاء قسم كهذا.

ابتسم، مجيباً:
- يمكن أن يمنح رئيس الوزراء الحالي فرصة مثالية، لربح الانتخابات القادمة.

حدَّقت فيه مستنكرة، فتابع في ثقة:
- أحد أهم مهام أي جهاز مخابرات في الدنيا، أن يدرس تداعيات القرارات والصدمات، وأن يستطلع رأي العامة، لمعرفة ردود الفعل المتوقعة، لأي قرار يصدر، وأي موقف يحدث، ومن هذا المنطلق، تأكَّدنا من أن الشارع الإسرائيلي سيحسن استقبال مثل هذا الخبر، الذي سيثير حتماً حفيظة البعض، وربما غضب البعض الآخر، ولكنه سيؤدي، وفقاً لنسبة من سيتلقونه بارتياح، إلى رفع أسهم رئيس الوزراء؛ لأن معظم الإسرائيليين سيجدونها فرصة، تتيح لهم التخلص من قادة المخربين العرب، الذين يذيقونهم الويلات ليل نهار.

غمغمت في دهشة:
- لقد تصوَّرت العكس.

أشار بيده قائلاً:
- رئيس الوزراء أيضاً يتصوَّر هذا.

ثم مال نحوها، مستطرداً بابتسامته الصفراء:
ونحن لم نطمئنه إلى العكس.

عاد حاجباها الكثان ينعقدان، وهي تنظر إليه في شك، قبل أن تقول، في حذر شديد:
- ولماذا؟!

أجابها في حزم:
- لأن استطلاعاتنا أثبتت أيضاً، أن الإسرائيليين يميلون إلى الجانب الآخر.

صمت لحظة، ثم أضاف:
- إليكِ.

تألَّقت عيناها، على نحو تعارض مع بشرتها المتغضنة، وهي تردِّد:
- إليَّ أنا؟!

أشار بسبَّابته وإبهامه المتقاربين:
- ولكن بنسبة ضئيلة للغاية.

عادت تتجهَّم، فاستطرد:
- وربما تمنحك هذه الورقة ما يكفيك.

تساءلت في دهشة:
- ولكنك قلت...

قاطعها في سرعة:
- ليس بإعلانها.

عاد الشك والحذر يعربدان في ملامحها ونظرتها، فأضاف:
- ولكن بالمساومة عليها.

اتسعت عيناها، وقد استوعبت ما يعنيه، وابتسمت ابتسامة مقيتة، وهي تقول:
- أظن أنه يمكننا أن نتفاهم.

أشار بيده، قائلاً:
- لو قبلت العرض.

وثب شكها وحذرها إلى ذروتهما، وهي تقول:
- أي عرض؟!

ابتسم ابتسامته الصفراء البغيضة، وهو يجيبها:
- سأخبرك.

وانعقد حاجباها الكثَّان أكثر..
وأكثر..
وأكثر..

* * *

كما يفعل يومياً، راجع "حسن" تقارير المطار الأمنية، وقوائم المسافرين، ثم غمغم محدثاً نفسه:
- لم يفعلها بعد.

فقضى بضع لحظات مفكراً، ثم بدا القلق يتسلَّل إلى نفسه..

"أدهم" لا يمكن أن يغادر "مصر"، عبر الطرق الشرعية والرسمية..

ببساطة؛ لأنه لا يحمل جواز سفر..
ووفقاً لتعليماتي، لن يمكنه أن يستخرج جواز سفر، من أي منفذ كان..

ولكن ربما يحاول التسلُّل عبر الحدود..
ربما يجد وسيلة ما..
أية وسيلة!..

ومثل "أدهم"، لن يعدم الوسيلة..
مهما بلغت صعوبتها..
أو بلغت خطورتها..

تضاعف قلقه مع الفكرة، فضغط زر استدعاء أحد رجال الأمن، وما أن دلف إلى حجرته، حتى قال بلهجة آمرة:
- اذهب إلى منزل المرحوم "صبري"، وراقب ولديه "أدهم" و"أحمد" طوال الوقت.. أريد أن أعرف أين يذهبان، ومتى، وكيف.. هل تفهم؟

أجابه الرجل في حزم:
- بالتأكيد يا سيِّد "حسن".

غادر الرجل مكتبه، وتركه يعود إلى قلقه..
"أدهم" عنيد للغاية..
هذا أبرز سماته..

ولقد واجه أجهزة مخابرات أجنبية بالفعل..
وقاتلها..
وانتصر عليها..
وهذا يمنحه الجرأة..
والصلابة..
والإرادة..
بلا حدود..

وشاب بكل هذا، حتى دون تلك القدرات الفائقة، التي غرسها فيه والده، يمكنه أن يتحدَّى الدنيا كلها..
بكل مصاعبها..
وكل مخاطرها..

استغرقته الفكرة طويلاً، حتى لم يشعر إلا وهاتفه يرن فجأة، وينتزعه من أفكاره في حدة، فاختطف سمَّاعته، وقال في توتر:
- أنا مسئول مراقبة منزل السيد "صبري".

سأله في لهفة:
- ماذا وجدت؟!

أجابه الرجل:
- الأخ الأكبر "أحمد"، يستذكر دروسه طوال الوقت، ولا يغادر المنزل إلا لمامًا.

سأله، وقد تضاعفت لهفته:
- وماذا عن الأخ الأصغر "أدهم"؟!

أجابه الرجل في أسف:
- لا أحد يدري أين ذهب.. لقد اختفى.. اختفى تماماً.

وكانت صدمة عنيفة..
بحق.

* * *


الحلقات السابقة من
"أنياب الأسد "

* * *

4 - اغتيالات
3 - أصابع فنان
2 - انتقام..
1- مرارة..

 

* * *

سلسلة الجولة الباريسية

17 - الختام..
16 - اغتيال..
15 - دماء..
14- إسرائيليات...
13- خطة...
12- لندن...
11 - أدهم..
10 - رصاصة في الليل..
9 - الصدمة..
8 - المفر..
7 - جنون..
6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان

سلسلة البداية

12- الختام...
11- دراجة..
10- الضائع...
9- الثعلب..
8 – مطاردة...
7 – كي. جي. بي..
6 - الماجور ديمتري"..
5- موسكو..
4- في الميدان..
3- نمو
2- ثغرة
1- الفكرة



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني