history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

في مكان ما من أرض مصر، وفي حقبة ما من حقب المستقبل، توجد القيادة العليا للمخابرات العلمية المصرية.. يدور العمل فيها بهدوء تام وسرية مطلقة.. من أجل حماية التقدم العلمي في مصر.. ومن أجل الحفاظ على الأسرار العلمية التي هي مقياس تقدم الأمم..

ومن أجل هذه الأهداف يعمل فريق نادر تم اختياره بدقة بالغة:
- نور الدين: واحد من أكفأ ضباط المخابرات العلمية يقود الفريق.
- سلوى: مهندسة شابة، وخبيرة في الاتصالات والتتبع.
- رمزي: طبيب بارع متخصِّص في الطب النفسي.
- محمود: عالم شاب وإخصائي في علم الأشعة.

فريق نادر يتحدَّى الغموض العلمي والألغاز المستقبلية.. إنهم نظرة أمل للمستقبل.. ولمحة من عالم الغد.

د. نبيل فاروق

 

 

فجأة، استعاد "نور" وعيه..
لم يدرِ كيف حدث هذا، ولكنه وجد نفسه ينتفض، ويهبّ جالساً، وهو يقول في توتر شديد:

- لا..

وعلى ضوء مصباحه، راح يتطلَّع لما حوله في شيء من الدهشة والحيرة..

كان في غيبوبته، يحلم بأن تلك الكائنات العملاقة تنقض عليه..
وتلتهمه..
وتهضمه..

بل إنه يكاد يجزم بأنه قد شعر بحرارة عصارتها الهاضمة على جسده..

ولكن الممر كان خالياً تماماً..
لم تكن هناك كائنات، في الاتجاهين..

فقط زميله "أكرم"، فاقد الوعي، على بُعد متر واحد منه، وجثة "ممدوح"..

كان المسكين قد تحوَّل إلى ما يشبه الهيكل العظمي، وما زالت الأبخرة الخضراء تتصاعد، من بقايا قطع من اللحم، ما زالت ملتصقة بعظامه..
كان قد لقي مصرعه أثناء سباته..
للأسف..

وفي توتر ومرارة، نهض "نور"، يدفع "أكرم"، مغمغماً:
- أأنت بخير؟!

 

هبَّ "أكرم" في حركة حادة، وهو يمسك مسدسه الليزري، فقال "نور"، في توتر:
- لقد رحلت.


اتسعت عينا "أكرم"، وهو يغمغم في عصبية:
- رحلت؟!


تلفَّت حوله في توتر شديد، واطمأن إلى خلو الممر، قبل أن يهتف في لهفة، وهو يلتفت إلى جثة "ممدوح":
- وماذا عن "ممدوح"؟!..


وقع بصره على بقايا الرجل، فاتسعت عيناه في هلع، قبل أن يغلقهما في قوة، ويهتف بكل غضبه ومراراته:
- يا للأوغاد!..


حاول "نور" تهدئته، وهو يغمغم:
- لم يشعر بالألم، لقد لقي مصرعه، وهو غائب عن الوعي.


حدَّق فيه "أكرم" بنظرة عجيبة، وكأنه يوشك على البكاء، ثم هتف في عصبية:
- ماذا أصابنا يا "نور"؟!


هزَّ "نور" رأسه، قائلاً:
- لست أدري.. لقد فقدنا الوعي لسبب ما، واستعدناه أيضاً لسبب ما، ونحن نجهل كليهما.


تساءل "أكرم" في عصبية، وهو يتلفَّت حوله مرة أخرى:
- وأين تلك الكائنات؟!.. أين ذهبت؟!


غمغم "نور":
- شيء ما، دفعها إلى الانصراف.


هتف "أكرم":
- شيء مثل ماذا؟!


هزَّ "نور" رأسه مرة أخرى، مغمغماً:
- لست أدري بعد.


وصمت لحظة، قبل أن يردف في حذر:

- ربما هو شيء في الهواء.


قال "أكرم"، وهو عاجز عن الاستيعاب.
- ماذا؟!


شرد "نور" ببصره، وقال، وهو يفكِّر في عمق:
- ربما أرادوا القضاء على تلك الكائنات، فاستخدموا بعض الغاز، أو..


قاطعه "أكرم"، وهو يقول في عصبية غاضبة:
- من الذين استخدموا الغاز؟!


أجابه "نور":
- لو كنا في موضعهم، للجأنا إلى الأسلوب نفسه يا صديقي.


صاح في غضب شديد:
- أي أسلوب؟!.. قتلنا؟!


أشار "نور" بيده، قائلاً:
- بل إنقاذ البشرية.. هذا واجبهم الأوًَّل، وحياتنا لا تساوي شيئاً، أمام هدف خطير كهذا.


صاح "أكرم"، في غضب مستنكرا:
- لا تساوي شيئاً؟!..


أراد "نور" أن يهدئ انفعاله..
أن يشرح له الموقف بروية..
أن يقول أي شيء..
أي شيء منطقي..

ولكن، حتى بالنسبة إليه، كان الموقف كله يبدو غامضاً!!..

فلو أنهم استعملوا نوعاً من الغاز بالفعل، فكيف استعادوا وعيهم؟!..

وأين ذهبت تلك الكائنات؟!..
لماذا لم تلتهمهم، وهم فاقدو الوعي؟!..
لماذا؟!..
لماذا؟!!

وفجأة، وثب تفسير ما في ذهنه..

تفسير جعل عينيه تلتمعان، وهو يمسك معصم "أكرم" في قوة، فهتف هذا الأخير، وهو يتطلَّع إليه:
- لقد وجدتها.. أليس كذلك؟!


أجابه "نور"، في لهجة تنطوي على ارتياح واضح:
- نعم يا صديقي.. وجدتها.


هتف به:
- هل عرفت ماذا يحدث؟!


أشار "نور" بيده، قائلاً:
- إلى حد ما.


سأله "أكرم" بمنتهى اللهفة:
- ماذا يحدث يا "نور".. أخبرني بالله عليك.


أجابه "نور" في حماس:
- لو اتفقنا على أن تلك الكائنات، ما هي إلا بكتيريا عملاقة، في بيئة تخالف بيئتها الأصلية، فسنتفق على أنها حتماً ستسلك بعض السلوك المخالف لطبيعتها، ولكنها في الوقت ذاته، ستظل محتفظة بالكثير من سماتها الأصلية.


بدت الحيرة، في ملامح "أكرم" وعينيه، وهو يتمتم:
- أمن المفترض أن أفهم هذا؟!


تابع "نور"، وكأنه لم يسمعه:
- البكتيريا في عالمها، تمتص الغذاء من الوسط المحيط، وتستخلص منه كل ما يفيدها، وعندما انتقلت إلى عالم مختلف، وبيئة مغايرة عما اعتادته، راحت تبحث عن نمط مختلف من الغذاء، فلم تجد حولها سوى البشر، ولأنها بلا عيون أو آذان، فهي ترصد ما حولها بوساطة أهدابها، وعبر حركتنا وأصواتنا أيضاً، وعندما فقدنا الوعي، بدونا لها أشبه بأجساد ميتة، فانصرفت عنا، بحثاً عن نمط غذائي مختلف..


قال "أكرم" بنفاد صبر:
- هذا يفسِّر ابتعادها عنا يا "نور"، ولا يفسِّر ذكاءها، ومعرفتها بكل شيء هنا.


أشار "نور" بيده، قائلاً:
- إنه نمط الغذاء أيضاً يا صديقي؛ فهي لا تمتص أجساد من تلتهمهم فقط، بل تمتص عقولهم، وخبراتهم، ومعارفهم أيضاً، ولهذا اكتسبت من رجال الأمن معرفتهم بخبايا الممرات، وطرق التحكُّم في الطاقة، و...


قاطعه "أكرم" بعيون متسعة:
- يا إلهي!.. أتعلم ما يعنيه قولك هذا يا "نور"؟!.. إنه يعني أنها قد امتصَّت عقل وخبرات الدكتور "صفوت" أيضاً، مما يعني أنها ليست كائنات ضخمة ومفترسة فحسب، ولكن عبقرية أيضاً..


وانعقد حاجبا "نور" في شدة..
فما يقوله "أكرم" أمر مخيف..
رهيب..

أمر يعني أن صراع البقاء سيصبح أكثر صعوبة وشراسة..
بكثير..

* * *

في اللحظة الأخيرة، نجحت "نشوى" في تشغيل جهاز شفط الغازات، التي لا تتفق مع التكوين الأساسي للغلاف الجوي، أو تختلف في نسبها عنه..

كان برنامجاً أمنياً خاصاً، طوَّرته بنفسها، ضمن خطة تطوير نظم الأمن، في مركز الأبحاث، ومن حسن طالعها أن أمكنها هذا، قبل أن تفقد وعيها تماماً..

وعبر مرشحات خاصة للغاية، تم شفط كافة الغازات غير المألوفة، مع المحافظة على تركيب الهواء العادي، الذي يتم تنقيته، وإعادة ضخه في المكان..

بهذا فقط، أمكنها أن تنقذ فريقها وعائلتها..
أو هكذا تتمنى..
لم تكن لديها وسيلة للتيقُّن من النتائج..
ولم يكن لديها وقت كاف أيضاً..

فوفقاً لمعدَّل تكاثر تلك البكتيريا العملاقة، سيكتظ المكان كله بأجسادها الضخمة الهلامية، بعد ساعة واحدة على الأكثر..

ولن يكون هناك مكان واحد للاختباء..
أي مكان..

وبينما كانت أصابعها تعمل بأقصى سرعتها، على أزرار الكمبيوتر، وعيناها لا تفارقان شاشته، وعقلها ممتزج به، حتى آخر ذرة من كيانها، كانت "سلوى" تستعيد وعيها في بطء، وهي ما زالت تغمغم:
- لا يا "رمزي".. لا تستسلم.


سمعت صوت الدكتور "حجازي"، يهمس في أذنها، بصوت شديد الخفوت:
- اخفضي صوتك يا بنيتي.. ولو أردت نصيحتي، فانهضي بمنتهى البطء، وإلا، فلن يمكنني التنبؤ بالنتائج.


أدهشها قوله، ولكنها أطاعته، ونهضت بمنتهى البطء، قبل أن تتسع عيناها بمنتهى الارتياع..

فباستثناء "رمزي" والدكتور "حجازي"، اللذين يجلسان صامتين تماماً، يحدقِّان فيما حولهما، كان فراغ الردهة الضخم مزدحما بتلك الكائنات المفترسة..
مئات منها..
وربما أكثر..
بكثير.

 

* * *

الحلقات السابقة من
"كائنات"

13- نيران..
12- المواجهة..

11- الزحف..

10 - الحل الآخر..

9 – فرار..

8 - دواعي الأمن..

7 - أهداب..

6 - الحصار..

5 - عبث..

4- ذكاء..

3- رطب ولزج...
.
2- أنفاق...
.
1- الوحش..
.

* * *

سلسلة قلب الذرة

12- ختام....
11- طاقة
10- دوائر.... دوائر..
9 - في الأسر..
8 - كائنات..
7 - عالم آخر..
6 - فقاعات..
5- وهج..
4- الفيل.. والنملة..

3- بلا أثر
2- عقلة الإصبع
1- تجربة


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني