|

على الرغم من تظاهره بالنوم، وإرهافه سمعَه إلى أقصى حد، لم يستطع "أدهم" أن يلتقط كافة تفاصيل الحديث الهامس بين الرجلين، اللذين لم ير وجهيهما بعد...
التقط فقط كلمات توحي بخطورة الأمر...
السفارة المصرية.... اغتيال... وزير الخارجية... مصر...
وبسرعة راجع "أدهم" كل المعلومات التي طالعها في الصحف وفي وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة...
وفهم ما يعنيه هذا الحديث...
أو هذا ما خُيِّل إليه...
هناك مؤامرة لاغتيال وزير الخارجية المصري، في السفارة المصرية في "باريس"... لقد أذاعت وسائل الإعلام، ونشرت الصحف أن وزير الخارجية المصري سيسافر إلى "باريس" لحضور مؤتمر وزراء خارجية دول البحر الأبيض المتوسط، وأن مصر ستستغل هذا المؤتمر لكسب التأييد الأوربي، من موقفها تجاه الصراع المصري الإسرائيلي، وضرورة تنفيذ قرار مجلس الأمن، الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من "سيناء"، ومن كل الأراضي التي احتلتها، في الخامس من يونيو عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين...
ولأن الرجلين كان يتحدثان بالعبرية، فقد افترض "أدهم" أنهما ينتميان لدولة "إسرائيل" التي ربما تسعى لاغتيال وزير الخارجية المصري،حتى تفسد المؤتمر، وتبعد الأنظار عن أهدافه...
وهذا أمر خطير...
خطير للغاية...
عندما توصل "أدهم" إلى هذا الاستنتاج، كان قائد الطائرة يعلن استعدادها للهبوط في مطار " أورلي" في "باريس"، فنهض "أدهم" متظاهراً بالاطمئنان على حقيبته الوحيدة، واختلس نظرة إلى الرجلين خلفه...
نظرة واحدة، نقلت مشاعره، من الشك إلى اليقين...
فالرجلان كان يحملان ملامح يهودية واضحة، ولقد رمقاه بنظرة صارمة متحفزة، عندما التفت إليهما، فأدار عينيه بعيداً عنهما في بساطة، وعاد يجلس في مقعده، وهو يحفر ملامحهما في ذهنه جيداً...
ومرة أخرى أغلق عينيه، وهو يستعيد كلمات والده...
التزم بكل القواعد والقوانين يا "أدهم"، ولا تتجاوزهما إلا في حالة واحدة، ... أن يكون في هذا صالح "مصر"...
"مصر" يا "أدهم"... "مصر" هي الأبقى وهي التي نمنحها حياتنا نفسها، دون أن نتردد لحظة واحدة... ومن أجلها كل شيء يهون... بلا استثناء...
راح يستعيد تلك الكلمات مرة...
وثانية...
وثالثة....
لم يتوقف حتى هبطت الطائرة في "باريس"، وبدأ بالفعل إجراءات دخول عاصمة النور والجمال والفن..
وطوال الوقت، كان يختلس النظر إلى الرجلين، اللذين تحركا وكأن كلا منهما وصل منفرداً ولا علاقة له بالآخر، حتى خرج الجميع من المطار، فاستقل كل منهما سيارة تاكسي مختلفة، ابتعدت بهما في اتجاهين مختلفين...
وبذاكرة فوتوجرافية مدهشة، دوّن "أدهم" في رأسة أرقام السيارتين، وإن لم تشف ملامحه عن أدنى اهتمام، وهو يستوقف سيارة ثالثة، ويطلب منها أن تنقله إلى فندق "ريتز" حيث يفترض أن يقيم...
وفي طريقة إلى الفندق، راح عقله يرسم خطة العمل...
لم تكن لديه الخبرة اللازمة، لوضع خطة محكمة لمواجهة عنيفة، مع رجال المخابرات الإسرائيلية، ولكنه حاول أن يدرس خطته البسيطة، بأفضل وسيلة ممكنة...
وعندما وصل إلى الفندق كان قد وضع الخطوط العريضة للخطة...
وفور دخوله حجرته بدأ "أدهم" الشاب يتحرك بمنتهى السرعة والخفة والنشاط والحيوية...
لقد أخذ حقيبة صغيرة، مكونة من أدوات بسيطة، متوفرة في حجرته، وربط تلك الحقيبة على وسطه، وارتدى قميصاً وسروالاً وسترة من اللون الأسود، ثم غادر الفندق، والشمس توشك على المغيب...
وقبل أن تغلق المحال أبوابها دلف إلى متجر لألعاب الأطفال، وابتاع لعبة بسيطة من البلاستيك، أضافها إلى محتويات حقيبته الصغيرة...
ثم حان دور البحث المنظم...
ولأنه يحفظ خريطة "باريس" عن ظهر قلب، فقد استقل مترو الأنفاق إلى محطة الوسط التي تتجمع عندها كل سيارات التاكسي، بعد أن ينتهي عملها...
كان يبدو غريباً، لافتاً للانتباه، وهو يسير وسط سيارات التاكسي، والسائقين الذين راحوا يتطلعون إليه في حذر وقلق قبل أن يستوقفه أحدهم، ويسأله في صرامة:
ماذا تفعل هنا أيها الصبي؟!
أجابه "أدهم":
معذرة يا عماه، ولكنني أبحث عن سيارتين أشك في أنني قد نسيت حقيبتي في إحداهما.
رمقه الرجل بنظرة شك، قبل أن يقول في خشونة:
ولماذا لا تسأل عن حقيبتك في قسم المفقودات؟!..
هز "أدهم" كتفيه، قائلاً:
ربما أفعل، ولكن الواقع أنني فقدت قلادة صغيرة، في إحدى السيارتين، ولما كانت لها قيمة عاطفية كبيرة بالنسبة لي، فقد أردت أن..
استوقفة الرجل في ضجر:
فليكن.. أعطني الرقمين، وسأسأل سائقي السيارتين.
أملاه "أدهم" الرقمين، فارتفع حاجبا الرجل في دهشة، وهو يقول:
أأنت واثق من الرقمين، أم أنك قد أخطأت في حفظهما، على نحو أو آخر؟!
سأله "أدهم" في اهتمام:
ولماذا تفترض هذا؟!
أشار الرجل بيده قائلاً:
لأنه ليست لدينا سيارة تحمل أيا من الرقمين، ومن المستحيل أن تكون لدينا؛ لأن سياراتنا كلها تحمل أرقاماً متسلسلة على نسق واحد، وهذين الرقمين لا يمتان لأرقامنا بأدنى صلة.

وانعقد حاجبا "أدهم" الشاب في شدة...
فلقد كانت مفاجأة...
كبيرة...
بدا "صبري" شديد القلق، وهو يجري اتصاله بحجرة "أدهم" في ذلك الفندق في "باريس" للمرة الثالثة، دون أي استجابة، حتى وضع السماعة في حنق، فسألة "حسن" الذي لم يغادر بعد:
ألم يُجِب بعد؟!
هز "صبري" رأسه نفياً وقال:
إنه ليس في حجرته بالفندق، والتوقيت متأخر الآن في "باريس" والمحال التجارية الآن كلها أغلقت وستخلو الطرقات بعد قليل، ولست أدري ما الذي يفعله خارج فندقه في هذه الساعة.
ابتسم "حسن" قائلاً:
يتجول في "باريس" بالتأكيد... أنت تعرف ابنك أكثر مني... لن يحتمل إضاعة لحظة واحدة في حجرة مغلقة، وأمامه "باريس" على بعد أمتار قليلة... لو أنك في موضعه، لقضيت الليل كله في استكشاف عاصمة النور.
انعقد حاجبا "صبري" وهو يغمغم:
طرقات "باريس" شديدة الخطر في الليل.
أجابه في حسم:
ليس مع شاب مثل "أدهم"
تنهد "صبري" مغمغماً:
ربما...
التقط نفساً عميقاً، في محاولة لتهدئة أعصابه، قبل أن يسأل "حسن" في اهتمام شديد:
قل لي: هل تمت جميع إجراءات تأمين وزير الخارجية في "باريس"؟!
أومأ "حسن" برأسه إيجاباً، وقال:
اطمئن... سيادة الوزير سيقضي ليلته في مبنى السفارة، في قلب العاصمة الفرنسية، وفي الصباح سيصحبه ثلاثة من رجال الأمن المسلحين إلى مقر المؤتمر في سيارة مصفحة خاصة لا يمكن اقتحامها بسهولة.
شرد "صبري" ببصره مرة أخرى، مغمغماً:
أتعشم هذا.
ابتسم "حسن" وهو يسأله:
ألا تطمئن أبداً لنظم الأمن؟!
أجابه "صبري" في رصانة حاسمة:
إنني واثق من أن الجميع قد درس نظام الأمن، على أدق وأكمل صورة ممكنة، وأن كل الإجراءات التأمينية سيتم اتباعها على أكمل وجه، ولكن هناك قاعدة أحرص دوماً على تلقينها لـ "أدهم" من شدة إيماني بها.
غمغم "حسن" في اهتمام:
وهي؟!
أشار "صبري" بسبابته مجيباً:
كل نظام أمن مهما بلغت دقته، أو بلغ إحكامه يحوي حتماً ثغرة ما... ثغرة صغيرة للغاية، لم ينتبه إليها أحد أو ربما لم يشعر بأهميتها أحد، ولكن لو أنك درست نظام الأمن بدقة، فستعثر عليها، وعندئذ لن يكون من العسير أن تنفذ منها.
تمتم "حسن" في توتر، وقد بدأت ثقته تهتز:
مجرد نظرية..
هز "صبري" رأسه قائلاً في حزم:
بل حقيقة يا صديقي... حقيقة تمثل أهم ما في عالمنا... جِد الثغرة وستربح المعركة.. حتماً.
وتضاعف قلق "حسن"، على الرغم من أنه لم يكن يدرك كم هي قاعدة صحيحة في هذه العملية بالذات...
فخطة تأمين الوزير كانت تحوي بالفعل ثغرة...
ثغرة كبيرة...
وخطيرة.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "
* * *
* * *
سلسلة البداية
|

