كل شيء يبدو هادئاً ساكناً، في تلك الساعة من النهار، في المنطقة الجبلية المقفرة، جنوب غرب مدينة "قنا".. ولكن هذا السكون كان يخفي الكثير...
فبين الصخور الضخمة المتناثرة، في تلك المساحة المكشوفة الواسعة، كان يكمن رجال مكافحة المخدرات، في انتظار وصول بعض الهيروين، بناء على معلومات سابقة... كلهم كانوا يلتزمون الصمت التام، وعيونهم تلتمع كعيون الصقور، وسط الظلام ورائحة الجبل، و...
وفجأة حدثت تلك الهزة الأرضية...
هزة مباغتة، تبلغ ما يقرب من الدرجات الخمس بمقياس "ريختر"* استغرقت ثلاث ثوان فحسب...
ولكن تأثيرها كان عنيفاً للغاية...
فمع انبعاثها المباغت، خرج بعض رجال الشرطة من مكامنهم، وانكشف الكمين، وفسدت الخطة كلها، وسارع المهربون بالفرار والاختفاء....
وبكل الحنق والغضب، هتف الرائد "يحيى":
- هذا ما كان ينقصنا، شهران من الإعداد والتخطيط والتدريب، ثم تتحرك الطبيعة في وقت غير مناسب، فتفسد كل شيء...
زفر النقيب "رفعت"، مغمغماً:
لا أحد يمكنه الوقوف في وجه الطبيعة.. ربما كان الخير في فشل المهمة هذه المرة.
هتف الرائد "يحيى":
أي خير؟! هؤلاء المجرمون يفسدون أجيالاً كاملة بسمومهم البيضاء تلك، وفشلنا في الإيقاع بهم اليوم يعني وقوع المزيد من ضحاياهم، في الأيام القادمة.
ربت النقيب "رفعت" على كتفه، قائلاً:
- من يدري؟! ربما أصابهم ما حدث اليوم بالذعر، فتوقفوا عن ترويج تلك السموم لبعض الوقت.
قال "يحيى" في مرارة عصبية:
- لو أنهم يفقهون لما...
قاطعه أحد الجنود وهو يهرع إليه بأنفاس لاهثة، هاتفاً:
- سيادة الرائد... يبدو أن..
صاح به "يحيى"، مقاطعاً في حدة:
- ماذا هناك؟!
بدا صوت الجندي مرتجفاً كجسده، وهو يشير بيده، مجيباً:
- شق يا سيادة الرائد... الزلزال صنع شقاً في أرض الجبل.
انعقد حاجبا الرائد "يحيى" وهو يرمي بصره إلى حيث يشير الجندي، مردداً:
- شق؟

من موقعه لمح شيئاً أشبه بدخان كثيف أحمر اللون، يتصاعد من بقعة ما، على مسافة سته أمتار منه، في منتصف المنطقة المنبسطة تقريباً...
وفي شيء من الحذر، لم يدرِ سببه، اتجه مع النقيب "رفعت" نحو ذلك الشق.
ولم يدرِ لماذا شعر في أعماقة بذلك الخوف المبهم، وهو يتجه نحو الشق الصغير، الذي يزيد طوله على نصف المتر، واتساعه عن عشرة سنتيمترات على الأكثر...
ولكنه ذلك الدخان المتصاعد منه حتماً...
دخان كثيف أحمر، يبدو أشبه بدماء متبخرة أو بدخان ينزف دماً، أو....
"ما هذا بالضبط؟!"
قطع سؤال النقيب "رفعت" تلك الأفكار العجيبة، من التداعي في رأسه، فهز يده بشيء من العصبية، مجيباً:
- مجرد شق أحدثه زلزال.
ردد النقيب "رفعت"، في دهشة مستنكرة:
- مجرد شق؟!
تطلع الرائد "يحيى" إلى الدخان مرة أخرى، في حيرة تمتزج بنفس الخوف المبهم العجيب، قبل أن يهز رأسه قائلاً:
- لست أدري.
نطقها وحدق في الدخان مرة أخرى، وخيل إليه أنه يكاد يتشكل في هيئة ما، أو...
"هل نبلغ الوزارة؟!"
مرة أخرى، قاطعه سؤال النقيب "رفعت"، فأجاب في عصبية:
- بالتأكيد.
ثم انتزع نفسه انتزاعاً، من أمام الشق، وابتعد عنه خطوات سريعة، وهو يضيف، وقد تضاعفت عصبيته، على نحو غير مفهوم:
- اترك "لطفي" و"عبد الرازق" لحراسة المكان، ولنعد كلنا إلى "قنا"... هيا.
لم يكد يلقي الأمر، حتى اتسعت عيون الجنديين المكلفين في ارتياع، فصاح بهما النقيب "رفعت" في صرامة:
- ماذا دهاكما؟! إنكما ستحرسان المكان لبضع ساعات فحسب، وسنرسل لكما كل ما تحتاجان إليه من طعام وأغطية... إننا في وضح النهار...
وعلى الرغم مما قاله، فما أن انطلقت بهم السيارات، عائدة إلى المدينة، حتى أدرك أنه، ولسبب ما، لا يشعر بالارتياح أبداً...
* * *
أول ما تفجر في أعماق "رأفت" عندما دلف إلى حجرة الاستجواب هو شعور عجيب بالإشفاق على ذلك الشاب الذي يرتدي زي الطيارين القديم، والذي هب من مقعده بحركة حادة فور دخوله، وتراجع كمن يواجه خطراً مخيفاً، هاتفاً:
- من أنت؟! ماذا تريد مني؟!
أشار إليه "رأفت"، قائلاً:
- اهدأ يا رجل... اهدأ... أنا هنا لأتحدث معك فحسب.
بدا مزيج من التردد والتوتر، على وجه الشاب، وهو يقول في عصبية:
- ولكن أين نحن؟! لماذا تغير كل شيء على هذا النحو؟! لماذا تبدو الأمور مختلفة؟! لماذا؟! لماذا؟!
أشار إليه "رأفت" مرة أخرى، وهو يقول:
- اجلس واهدأ أولاً، ودعنا نطرح أسئلتنا، وبعدها سنجيب عن كل أسئلتك.
تردد الشاب لحظة، ثم لم يلبث أن جلس أمامه، وقال في حزم صلب:
- لن تحصل مني على أية معلومات تخص وحدتي أو بلدي.
ابتسم "رأفت"، قائلاً:
- إنها بلدنا أيضاً يا رجل.
سأله الشاب في تردد:
- حقاً؟!
كان السؤال يحمل قدراً هائلاً من الحيرة والتوتر، إلا أن "رأفت" تجاهل جوابه تماماً، وهو يسأله:
- ماذا حدث بالضبط؟!
تنهد الشاب قائلاً:
- لقد... لقد أسقطنا الطائرة الرابعة.
مال "رأفت" إلى الأمام، متسائلاً:
- ثم ماذا؟!

هز الشاب رأسه وكست الحيرة ملامحه، وتلك النظرة المطلة من عينيه، وهو يقلب كفيه، مجيباً:
- لست أدري... تلك الكتلة البرتقالية ظهرت فجأة، واصطدمت بالطائرة الخامسة، في نفس اللحظة التي أطلقت فيها صاروخي نحوها، ثم... ثم... ثم...
هتف "رأفت" في فضول:
- ثم ماذا؟!
هز الشاب رأسه في قوة وهو يحيب:
- لست أدري.. لقد ارتطمت أنا أيضاً بتلك الكتلة البرتقالية، ولكن الارتطام كان أشبه بما يحدث، لو أنك قفزت على وسادة ضخمة من الإسفنج الطري... وقبل أن أدرك ما حدث، وجدت نفسي أخترقها، واصطبغ كل شيء حولي باللون البرتقالي، وبدا وكأن... وكأنني داخل مخ ضخم.
هتف "رأفت" بدهشة بالغة:
- مخ؟!
أومأ الشاب برأسه إيجاباً في قوة، وقال:
- نعم... مخ بشري، بخلاياه وتلافيفه... تماماً كما كنا نراه في كتب العلوم في المرحلة الثانوية... مخ اخترقته طائرتي، و...
صمت لحظة، انعقد خلالها حاجباه، وكأنما يحاول اعتصار المعلومات من ذهنه، قبل أن يتابع، في شيء من الحذر:
وخرجت منه.
سأله "رأفت" في سرعة:
- متى؟!
تطلع إليه الشاب في دهشة، مجيباً:
- فوراً بالطبع.
مط "رأفت" شفتيه، وتراجع في مقعده، ولوح بالملف الذي كان يحمله منذ دخوله قائلاً:
هناك خطأ في هذه الأوراق إذن.
تطلع الشاب إلى الاسم المدون على الملف، وهتف في توتر:
- إنه ملفي.
أجابه "رأفت" وهو يفتح الملف:
- بالضبط... وملفك هذا يقول إن اسمك "عزت محمد عبد الرحمن شاهين" الشهير بـ"عزت شاهين"، كنت طياراً مقاتلاً، في القوات الجوية المصرية.
هتف الشاب مستنكراً:
- كنت؟!
تابع "رأفت" وكأنه لم يسمعه:
- شاركت في الضربة الجوية الأولى، يوم السادس من أكتوبر، عام 1973، تحت كود "نسر- 6"، وبعد الحرب...
قاطعه الشاب في حدة:
- بعد الحرب؟ ماذا تعني ببعد الحرب هذه؟! من المستحيل أن تنتهي حربنا مع العدو الإسرائيلي بهذه السرعة.
ارتفع حاجبا "رأفت" وهو يهتف:
- سرعة؟! الحرب انتهت منذ زمن طويل يا رجل، وملفك هذا محفوظ هنا منذ ذلك الحين....
هتف الشاب في ذعر مستنكرا:
- ملفي محفوظ!
نطقها وهب من مقعده في حدة صائحاً.
- ما الذي تريد أن تقنعني به بالضبط؟! لماذا تتحدث بهذا الأسلوب؟! ما الذي تريد قوله بالتحديد؟!
فتح "رأفت" الملف، ووضعه على سطح المنضدة، وهو يقول في حدة مماثلة:
- أريد أن أقول: إن هذا هو موقفك الرسمي الآن.
حدق الشاب في صورته داخل الملف، وفي الختم الكبير إلى جوارها، والذي يحمل كلمة واحدة، كادت تزلزل كيانه، وهو يردد صارخاً:
- مفقود؟!
أجابه "رأفت" في صرامة:
- ومنذ عشرين عاماً.
اتسعت عينا الشاب عن آخرهما، وتراجع كالمصعوق، حتى ارتطم ظهره بالجدران، وهو يردد بكل هلع الدنيا:
- مفقود؟! منذ عشرين عاماً؟! ماذا تقول يا هذا؟! إنها ليست حقيقة... إنه كابوس... كابوس بشع...
أتاه صوت من مدخل الحجرة، يقول: هناك وسيلة واحدة لحسم الأمر.
استدار الشاب في حدة، إلى مصدر الصوت، وحدق في ذلك القادم الجديد لحظة، قبل أن يهتف بارتياع أكبر:
- من... من أنت؟! إنك تشبه صديقي "حسن"، ولكنك... ولكنك..
لم يمهله "حسن" لإتمام عبارته، وإنما اندفع نحوه، وأمسك يده اليسرى، ورفعها إلى عينيه، وحدق لحظة بنظرة عجيبة للغاية في ذلك الجرح الحديث، في سبابة يد الشاب، والذي لم يبدأ حتى في تكوين جلطة الاندمال الأولية، ثم أفلت اليد، ورفع يده هو أمام الشاب، وأشار إلى جرح سبابته، الذى اندمل منذ عشرين عاماً كاملة، وهو يقول بلهجة غلبها تأثر واضح:
- ولكنني أكبر سناً... أليس كذلك؟!

واتسعت عينا "عزت" عن آخرهما، وهو يحدق في وجه صديقه القديم...
لقد كان لقاء مذهلاً...
ومستحيلاً...
تماماً
* * *
(*) مقياس "ريختر" نظام لقياس شدة وقوة الهزات الأرضية، ابتكره الجيولوجي الأمريكي "تشارلز ريختر"، عام 1935 وتم تطويرة على مدار الزمن، وهو يقيس الطاقة الناجمة عن بؤرة الزلزال، مع وضع بعض العوامل المهمة في الاعتبار، مثل نوعية وقوة الصخور بالمنطقة، وطبيعة استجابتها للهزات الأرضية....
***

