history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

نهى العربي

نحن أبناء الثمانينيات، ولدنا بعد ما اختفت الثورة، وجاء الانفتاح الاقتصادي، جئنا بعد ما اختلفت الموازين واضطربت، أتدري ماذا نعرف عن الثورة؟

بضعة سطور قليلة لا توضح شيئاً مما حدث، هكذا هي كتب ودروس التاريخ كما أرادت الوزارة، أو كما أرادوا أن نفهم، المبادئ الستة التي حفظناها عن ظهر قلب، و"عبد الناصر" الذي هو الرمز والحلم والأمل... القائد والزعيم ومحررنا من سيطرة الأجانب والإقطاع...

أفلام، تقتطف بعض الأحداث، كلها معادة ومكررة ولا ترى غيرها في هذا التاريخ من كل عام، تستيقظ في هذا اليوم لتجد فيلم (ناصر 56) في وجهك، الحق يقال إن الفيلم مقوماته جيدة للغاية، وموسيقاه التصويرية تسري كالخدر في أعصابك، خدر رائع يحيطك بجو مختلف من الوطنية والتأثر، حتى رؤية "أحمد زكي" وأطنان النيكوتين التي أحرقها طوال الفيلم تجعلك تنهض بعد النهاية وتعلق صورة "عبد الناصر" فوق الحائط وتبكي مع أي أغنية وطنية وما أكثرها في هذا اليوم، حتسمع لما تقول يا بس....

هذا هو كل ما يعرفه جيلنا عن الثورة، ولكن بعضاً منا لم يكتفِ بهذا، وبحثنا لنعرف ونقرأ أكثر.. وياللهول مما رأيناه، فكل شيء محاط بضباب كثيف وغموض لا يحل، الثورة التي مر عليها حتى الآن 56 سنة لا أحد يعرف حتى الآن ما حدث في أروقتها حقيقة، هل عبد الناصر الذي نكن له بداخلنا حلم الحرية والثورة والمساواة بين الأغنياء والفقراء هو ذاته الرجل الذي يقال إنه انفرد بالثورة والسلطة وامتلأت السجون والمعتقلات في عهده بالملايين؟.. هذا سؤال واحد، وتخيل كم الأسئلة المثارة التي تكفيها مجلدات، أسئلة فقط دون أجوبة!

هذا التعتيم الإعلامي والمقصود لإخفاء أحداث الثورة، وحقيقة تفسير بعض أمورها الغامضة، يجعلنا نحن الشباب جيل هذا البلد القادم بلا تاريخ ولا ماض، بلا شيء....

مفرغين من داخلنا بما قد تحمله هذه الثورة من معان، الإعلام الذي يقدس لك صورة أي رئيس يتناول حياته، هو ذاته الذي قدم أفلاماً تحمل أسوأ صور التعذيب والامتهان الإنساني، (إحنا بتوع الأتوبيس)، و(الكرنك) فقط ليزيد من حيرتنا.... وكيف ستكون أفلاما واقعية وعادتنا هي إخفاء الوثائق والمذكرات، محو تاريخ الرئيس السابق ليحل مكانها التاريخ الحالي، وكأن ذاكرة الشعب لا تتحمل أكثر من تاريخ شخص واحد فقط، حتى المشاركين بالثورة أنفسهم، الضباط الأحرار، يناقضون أنفسهم وبعضهم فتخرج التصريحات متوترة ومنصّفة، جزء من الحقيقة وجزء سيظل طي النسيان....

أترى كيف أننا بأعظم حدث في تاريخنا والذي غير مسار هذه البلد، لا نعرفه؟؟ لا نعرف سوى القليل الكافي بالتشكيك في تاريخنا بكل سهولة، في وسط إعلامي مفتوح السماوات كالتي نحن فيها الآن، غياب الحقائق تربة خصبة لتوجيه الشباب لأي تفكير ومبادئ مادامت الحقيقة غائبة...

صدق "فاروق جويدة" حين قال إن تاريخنا هو تاريخ أشخاص لا وطن، فيسهل فيه التحريف والتزوير والتأويل، وتساءل في كتابه (من يكتب تاريخ ثورة يوليو) عن نتيجة ذلك؛ لأنه فزع لضياع تاريخ هذا البلد ليتحول إلي بعض الذكريات المتناثرة في عقل هذا وذاك تنتهي بانتهاء حياته، ويتبخر الحلم والأمل...

ويتضح كيف أن كتابة التاريخ عندنا هي محض أهواء شخصية، فتقرأ لأنيس منصور لتجده في كتابه (عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا) يكاد يخرج من بين صفحاته ليقسم لك بالله أنه يكره "ناصر" وسياسته الحمقاء التي جعلت كل من عاش تلك الفترة متلفتاً، ينتظر زوار الفجر.. ولم لا فقد تسبب في فصله وحبسه لفترة من الزمن وانقطاعه عن الكتابة..

مذكرات "خالد محيي الدين" التي يخبرك فيها بأنه (الآن أتكلم) تتصور أنها المفتاح الذي سيفتح حجرة الأسرار ليفسر كل لغز أحاط بالثورة، ثم تكتشف أنها ليست سوى محض مبررات يخرّج بها نفسه من الكثير من الأحداث التي هدمت أهم مبادئ الثورة الستة، إقامة حياة ديمقراطية سليمة، والتي لم تتحقق حتى الآن!!..

وأثناء رحلتك تجاه فهم وقراءة التاريخ يكون عقلك عرضة لكل ما قد يجعلك تنجرف في تيارات جانبية، مبادئ سياسية وأفكار أخرى تمنيك بإقامة الجنة والعدالة الاجتماعية الأرض، وكيف أنها لو طبقت لكانت مصر الآن من دول العالم الأول..

ويتساءلون عن أسباب الانحراف الفكري لدى الشباب؟؟ أمر غريب حقاً، غريب للغاية...

مررت بتلك المرحلة وعصفت بعقلي كل الأحداث والعبارات المتضاربة.. وها هم من تقدموني سناً وعاشوا تلك الفترة يلعنونها، ولكن يترحمون على "ناصر".. تجحظ عيناي حين أقرأ أن الثورة كانت وببساطة ليست كما يصورونها حلماً وردياً، ولكن محاولة لتصحيح أوضاع الضباط بالجيش، ولكن أمام عدم ثبات الملك فاروق وتنازله عن كل شيء اتسعت الأحلام وتعاملوا من منطلق ماذا لو....

الحلم رأيته وهماً، والثورة محض صدفة، المعتقلات والتعذيب جعلتني ألعن البلد أحياناً وألعن السياسة وألعن حب البلد، وأعود لأجد ما فعلته من أجل الفقراء والأحلام الواسعة بعودة المجد العربي والوحدة يملأني بالفخر والحب تجاه هذا الرجل المثقف الواعي والشفقة أحياناً على من شوه سمعته وهدم أحلامه من مجموعة من المتآمرين...

"إحسان عبد القدوس" كتب أروع ما كتب تلخيصاً ونقداً لمبادئ الثورة الستة في كتابه (البحث عن ثورة) وبحق لم أقرأ ما هو أكثر عمقا وتحليلا لكل ما حدث سوى ما خطه هذا الرجل بأسلوبه السلس والرائع ليصل إلى ذهني وقلبي معاً.. لم أكره "عبد الناصر" ولم أفقد احترامي للثورة والحلم الجميل حتى بعد أن أعلن فشل تلك المبادئ على أرض الواقع، ولكن من خلاله تستطيع أن ترى نقداً غير صريح نقياً دون أي محاباة لأي ما كان، وأن كتابة التاريخ، الذي هو مصدر تعلم الشعوب لعدم تكرار الخطأ ذاته، بكل وضوح وبصراحة مبيناً أوجه قوته وضعفه، وحتى أخطاءه القاتلة، هي أفضل من غياب الحقائق وجعلنا نتخبط في طريق لا ندري له آخر...

كم أتمنى أن يطبق حلم "فاروق جويدة"، وليس حلمه وحده، لكتابة التاريخ مرة أخرى بمنتهى الصدق؛ لأننا في وقت حرج وفي أشد الحاجة لذلك، لا نريد شباباً دون تاريخ، دون مثل أعلى، دون ما يحصنه تجاه التيارات الفكرية الغربية المضللة..

عيد الثورة ليس مجرد أغان وأفلام مختصرة التفاصيل، وبقدر ما حملته تلك الفترة وغيرها من إنجازات، حملت تجاوزات وأخطاء لا تجعلك تكره هذا البلد، ولكن تجعلك تقرأ وتفكر بروية...

تجعلك تريد أن تغير حتى لا يبقى الوضع كما هو عليه...



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني