محمد إسماعيل

كان قرار الرئيس "عبد الناصر" بتأميم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية شديد الجرأة والصعوبة؛ لأنه كان يعني بشكل مباشر تحدي النفوذ الفرنسي والبريطاني في المنطقة بشكل عام وفي مصر بشكل خاص، وهكذا كانت ضريبة هذا القرار الوطني تلك الحرب التي عرفت باسم "العدوان الثلاثي" فهل كان قرار التأميم ـ مع كل التأكيد على وطنيته ـ مناسبا تماما في هذا التوقيت أم كان من الممكن تأجيله خصوصا وأنه كانت هناك وعود بريطانية بتسليم قناة السويس إلى مصر بعد تاريخ التأميم "26 يوليو 1956" بعدة سنوات؟
قرار التأميم جاء في التوقيت المناسب هكذا يرى "عباس الطرابيلي" الباحث التاريخي ورئيس تحرير جريدة الوفد والذي وصف قرار التأميم بأنه من أشجع القرارات في تاريخ مصر السياسي رغم أن قناة السويس كانت ستعود قانونا وشرعا إلى مصر في سنة 1968.
ويرى "الطرابيلي" أنه رغم الآراء التي ترى أن هذا القرار نتج عنه عدوان ثلاثي واحتلال سيناء إلا أنه أعطى لمصر نصرا سياسيا غير عادي بمعنى أن مصر التي كانت تبحث عن دور في السياسة الدولية استطاعت من خلال هذا القرار ـ بحسب رأيه ـ أن تحقق هذا الدور وتبرز في مصافّ الدول المقاومة للاستعمار وتؤكد دورها وزعامتها لتيار التحرر الوطني في العالم الثالث، وتعود مشكلة القناة كما يراها الطرابيلي إلى قرار الخديوي "إسماعيل" عندما باع حصة مصر في القناة لإنجلترا وأعطاها الحق أن تتدخل، ولكن من المؤكد أن النهج المالي المتبع في تلك الفترة نتج عنه احتلال إنجلترا لمصر في سنة 1882، كما اعتبر معركة القناة سنة 56 استرجاعا للسيادة المصرية على القناة بالإضافة إلى دورها في وضع مصر وقيادتها على أول الطريق المقاوم للاستعمار وجعلها في مقدمة الدول التي تنادي بالتحرر في العالم الثالث، وحول مبررات قرار التأميم قال "الطرابيلي": "إن هناك تخوفا من أن شركة قناة السويس كانت لن تسلم القناة في حالة تسمح بحسن إدارتها بعد أن تعود إلى مالكها الأصلي وهو مصر فلذلك اعتبرها "عبد الناصر" حجة قانونية للرد على قرار البنك الدولي بقطع تمويل السد العالي، ولهذا كانت هذه الخطوة لا بد منها، وهذه أول خطوة جعلت الشعب يلتف حول "عبد الناصر" في ذلك الوقت".
أما "أنيس البياع" نائب رئيس حزب التجمع فقد أشار إلى أن هذا القرار تم في مرحلة كانت الثورة فيها تحاول بناء نوع من الاستقلال الوطني النسبي في ذلك الوقت وكان قرار التأميم بمثابة ردة فعل طبيعية على قرار البنك الدولي بعدم موافقته على تمويل مشروع السد العالي، بالإضافة إلى مصاحبة هذا القرار لقرارات تأميم المصارف الأجنبية ويأتي كل ذلك في إطار مساعي النظام المصري في ذلك الوقت لإيجاد استقلال وطني -على حد وصف البياع- والذي بدأ بتأميم الشركات والمصارف الأجنبية الذي تحول بعد ذلك إلى تأميم الشركات المصرية نفسها وتحويلها إلى القطاع العام، وأردف البياع قائلا: "إن الثورة كانت بلا شك لها العديد من السلبيات لكن من أهم إيجابياتها هي مساعيها لتمصير الشركات الأجنبية التي كانت تنهب الاقتصاد الوطني المصري" معتبرا أن قرار التأميم كان منسجما بشكل كبير مع وقت صدوره، كما اعتبر هذا القرار أحد المميزات الرئيسية لـ"عبد الناصر" والثورة.
في حين يرى "عبد الله السناوي" رئيس تحرير جريدة العربي الناصري أن القرار كان مناسبا للغاية بسبب عدة اعتبارات تأتي في مقدمتها مساعي الثورة في ذلك الوقت للسيطرة على مورد دخل حقيقي والسيطرة على مورد وموقع استراتيجي فاعل، بالإضافة إلى اعتبار مسألة تأميم القناة تتعلق بالكرامة الوطنية؛ لأن الشعب المصري دفع أثمان باهظة لبناء القناة والسخرة التي جرت فيها ثم استخدمت القناة لاحتلال مصر، فأصبحت مصر رهينة للقناة، وقرار التأميم من وجهة نظر "السناوي" هو تعبير رمزي وفعلي لتحرير الإرادة المصرية، وتوفير مورد اقتصادي مباشر لتمويل مشروع ضخم هو السد العالي بعد اعتراض البنك الدولي على تمويل السد العالي، وأضاف: "القرار من الناحية الاستراتيجية كان خطوة ضرورية لأن معناها استعادة مصر واستعادة سيادتها واستعادة سيطرتها على مواردها الإستراتيجية"، واعتبر "السناوي" الحديث عن التأجيل أو الانتظار حتى انتهاء التعاقد في عام 1968 كلاما غير منطقي متسائلا: "ما الضامن أنهم كانوا سيوافقون؟!"، معتبرا معركة تأميم قناة السويس أحد المعارك الفاصلة في تاريخ العالم الثالث وليس مصر وحدها قائلا: إن الحديث الدائر عن أن أزمة السويس انتهت بهزيمة عسكرية ونصر سياسي كلام غير لائق لأن الحروب دائما ما تقاس بنتائجها السياسية، وأن النصر العسكري تمثل في صمود مصر وعدم سقوط إرادتها السياسية هي تلك الإرادة التي كان من أهم نتائجها إطلاق موجة من التحرر في أفريقيا وآسيا والعالم العربي.


