history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

أحمد بلال

ستجده هناك داخل مقره الرئاسي الشهير بمرسى دقدق، يجلس والجميع يلتفُّ حوله، يحكي لهم عن ذكرياته مع الملوك والرؤساء والمشاهير، وعن حياته التي قضاها كاملة في النيل الذي يعشقه، بعد أن ورث مهنته عن أبيه منذ أكثر من 60 عاماً، ونجح ومن بعده أبناؤه وأحفاده في بناء امبراطوريته الخاصة والتي لم تغير من حياته الكثير، فلم يزل يحيا بملامحه السمراء بسيطاً متواضعاً يتعامل مع الملوك والصعاليك دون أي تفرقة، إنه الحاج "أحمد إبراهيم الدجوي"، والشهير بـ"الريس دقدق" رئيس جمهورية (الكورنيش).

"الريس دقدق" ورغم سنوات عمره التي تجاوزت 85 عاماً ما زال ممسكاً بزمام الأمور في جمهوريته ومقرّه الرئاسي بقبضة من حديد، ويؤكد دائماً عند حديثه معك أن رجلاً لم يكسره البحر فلن يكسره شيء بعد ذلك!!، فكل أصحاب المراسي حاليا في جمهورية (الكورنيش) كانوا "صبيان" عند الريس دقدق، ويعمل لديه 20 عاملاً غير الأبناء والأحفاد والذين يمتلكون جميعاً التراخيص اللازمة للعمل بالمهنة، إلا أن حفيده "محمد" هو ولي العهد؛ حيث إن العمل بهذه المهنة بالوراثة كما يؤكد "الريس دقدق".

"مارحتش المدرسة ولا الجيش ولا أي حاجة، اشتغلت مراكبي مع أبويا، وفي أيام الشتاء كان مفيش شغل، فكنت بشتغل نقاش، وبعدها نجار في ورشة بتصنع مراكب، بعد كده أبويا احتاجني اشتغلت معاه مراكبي، وقضيت حياتي كلها في البحر"، هكذا حكى لنا "الريس دقدق" عن بدايات عمله في سنواته الأولى، والتي لم ينفصل فيها إطلاقا عن "جمهورية الكورنيش" بحكم عمل والده مراكبي في النيل.

انتقل "الريس دقدق" مجبَراً من مرسى إلى آخر بناء على قرارات من سلطات الاحتلال الإنجليزي في الأربعينيات فيقول: "الأول كنت في قصر النيل تحت لوكاندة "سميراميس" القديمة، جاء الإنجليز وعملوا معسكر من أول كوبري قصر النيل وحتى كوبري 6 أكتوبر، ونقلونا من هناك إلى كوبري الجلاء، بعدها نقلونا للأندلس وبعدها بولاق، الجيش الإنجليزي كان كل ما يعسكر في مكان، كانت البلدية تنقلنا منه، وفي النهاية نقلونا للجزيرة".

وفي منتصف الخمسينيات انتقل "الريس دقدق" للعمل بحاراً على "الباخرة سودان" إلا أنه اضطر للعودة مرة أخرى إلى جمهورية (الكورنيش).. يقول: "سنة 1956 عملت بحاراً في الباخرة سودان، واشتغلت في النيل بين الأقصر وأسيوط لمدة 6 شهور في هذا المركب، وبعد أن توفي والدي تركت الباخرة وعدت إلى هنا، واستقرينا في هذا المكان، وفي سنة 1960 كان عندي مركبين باسمي و12 فلوكة بمجاديف، وكان التلامذة كل يوم الصبح يأجروا مني الفلوكة، كانت الساعة بـ 5 تعريفة"!.

تزوج "الريس دقدق" وأنجب 4 أولاد وبنت، كان مصرًّا على تعليمهم جميعا، فكان يعمل ليلا ونهارا، يقول: "كنت أجيب فلوس من المراكب لحد ما تعلّموا وخرج منهم ضابط"، تعلم أبناؤه وعملوا معه داخل مرساه، بعدها بدأت الحياة تأخذ طابعا آخر عند "الريس دقدق"، "لما الحرب خلصت وبدأت السياحة تشتغل بدأت أعمل مراكب ولنشات وأكسب، وعشت عيشة غير اللي كنت عايشها الأول"، لم ينفصل "الريس دقدق" عن أحفاده، أصر على تعليمهم جميعا هم أيضا، فحملوا الشهادات العليا، إلا أن البنات ومنهم خريجات كلية الإعلام وغيرها من كلية القمة كان مصيرهن بيوت أزواجهن في النهاية حيث يؤمن "الريس دقدق" أن: "إحنا لينا عاداتنا وتقاليدنا، ومعندناش بنات تشتغل"، أما "محمد" فهو أشهر أحفاد "الريس دقدق" وذراعه اليمين الذي يعتبره "الريس" ولي عهده!.

علاقة "الريس دقدق" بالمشاهير بدأت وهو في سن مبكرة جدّاً بموقف طريف مع الموسيقار "محمد عبد الوهاب"، حكاه لنا "الريس" قائلاً: "أول مشهور جالي كان "محمد عبد الوهاب"، كان لسه مش مشهور قوي، وكنت لسه صغير، سألني: اسمك إيه؟ قلت له: دقدق، سألني: رُحت المدرسة؟ قلت له: لا، قال لي: نص عمرك راح، سكتّ وجدّفت ولما وصلنا لوسط النيل سألته: تعرف تعوم يا أستاذ؟، قال لي: لا، قلت له: عمرك كله راح"!.

بعد ذلك أصبح "الريس دقدق" صديق المشاهير الأول في جمهورية (الكورنيش): "كان الممثلين والمخرجين والمؤلفين كلهم يعرفوني ويحبوني وأحبهم، كانوا بيخرجوا من كازينو بديعة -مكانه الآن فندق شيراتون الجزيرة- وينزلوا معايا في البحر ويغنوا ويلحنوا، عملت أفلام كثيرة مع "شادية" و"فريد الأطرش" و"عبد الوهاب" و"عبد الحليم حافظ" و"عمر الشريف" و"أحمد زكي" و"نبيلة عبيد" و"محمد هنيدي" في (يا أنا يا خالتي)، وكان آخرها فيلم (حين ميسرة) اللي صوَّر "خالد يوسف" بعض مشاهده هنا".

وبصفته رئيساً لجمهورية (الكورنيش) فقد كان من الطبيعي تماماً أن يرتبط بعلاقات وثيقة مع الملوك والرؤساء، إلا أن أشهرهم كانت ملكة أسبانيا "صوفيا" والتي ارتبطت بعلاقة صداقة بـ"الريس" منذ أن كانت صغيرة، حينما كانت تأتي في رحلات إلى مصر.. يقول عن ذلك: "ملكة أسبانيا "صوفيا" لما كانت صغيرة كانت بتيجي تركب مراكب عندي، ولما بقت ملكة وحضرت إلى مصر طلبتني بالاسم وركبت مركب من عندي"، كما يرتبط "الريس" بعلاقات جيدة مع سفراء الكثير من الدول، ولهذا فقد كان من الطبيعي أن يحمل الكتاب السياحي صورة "الريس دقدق" ومرساه بوصفه أحد المعالم الهامة في جمهورية (الكورنيش)، فأصبح قبلة للإعلاميين الأجانب -والأجانب فقط للأسف- فأتى له صحفيون من اليابان، وأخرجوا عنه فيلما تسجيليا، كما كتب عنه الصحفيون في العديد من البلدان وعادوا له بموضوعاتهم ليعلقها "الريس" على حوائط "مقره الرئاسي".

لم يخفِ "الريس" في حديثه إلينا حزنه على الحال الذي آلت إليه أوضاع "جمهوريته": "الكورنيش الأول كان جميل، كانت الفوانيس داخل السور، والمياه تحته مباشرة، الناس كانت بتيجي تصطاد، وكان فيه حدائق الناس بتتفسح فيها، النهارده متقدرش تمشي عليه، عشان ظروف البلد.

كما انتقد "الريس" بشجاعة نادرة -يفتقد إليها العديد من الرؤساء- حالة الفوضى التي دبّت في جمهورية (الكورنيش): "بقى فيه فوضى على الكورنيش عند ماسبيرو وهيلتون، هناك المراكب بالنفر، حالياً بتاع الكازوزة بقى مراكبي، وبتاع السميط بقى مراكبي، وهم أصلهم مش مراكبية ولا يعرفوا حاجة عن البحر، بس الحكومة بتصدر لهم تصاريح وبيشتغلوا في البحر بالأونطة، وحتى الآن كل واحد في الناس دي مشهور بشغلته القديمة مثل "محمود سميطة" اللي كان بيبيع السميط، و"إبراهيم القهوجي" و"فرخة" اللي كان فرارجي وغيرهم، المهنة باظت، بس فيه لسه مراسي ما زالت محافظة على قيمتها"، وبهذه الكلمات أنهى "الريس" حواره معنا، متحسرا ونحن معه، على المهنة التي "باظت" والوطن الذي أصبح يعيش حالة من الفوضى.


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني