خالد سعيد
أرّخت المصادر العبرية بداية حرب 1948، أو حرب "الاستقلال" أو "التحرير" (كما يطلق عليها الإسرائيليون) بصدور القرار الأممي رقم 181، والخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين، حيث استقبلت الطائفة اليهودية القرار بالفرح والسعادة، واحتفلت علناً بما اعتبرته يوماً تاريخياً في حياتها، لكن البلاد العربية رفضت القرار بشدة، وأعلنت تصميمها على قتال الصهيونية؛ للحيلولة دون تنفيذ القرار الأممي.
بدأت العصابات الصهيونية في الاستعداد الجدي للحرب؛ لإدراكهم أن العرب لن يسكتوا على اغتصاب الأراضي الفلسطينية، فقد تشكلت العصابات الصهيونية من عدة تنظيمات، أو تشكيلات عسكرية، كان أهمها تنظيم "الهاجاناه " ويتكون من 25 ألفاً من الرجال، وتنظيم "البلماخ" من ثلاثة آلاف، و"إتسل" ويتكون من ثلاثة آلاف رجل وامرأة، وتنظيم "ليحي"، ويتكون من بضع مئات من الرجال والسيدات.
وفي الثامن عشر من مايو 1948 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي "ديفيد بن جوريون" عن إنشاء الجيش الإسرائيلي، وتوحيد الجماعات الصهيونية، حيث اندلعت الحرب بين الطرفين العربي والإسرائيلي، في شكل سلسلة من اشتباكات المدن.. مواجهات دموية.. عمليات "اضرب واهرب".. تخلف وراءها قتلى ومشوهين وجرحى من أهالي المدن عند كلا الجانبين.. هجمات على خطوط المواصلات بين المدن.. ومحاولات لقطع طرق الاتصال بين المدن الرئيسية.. ومحاولة عزل العرب للمستعمرات الصهيونية النائية، وعلى الرغم من أن المنطق العسكري الإسرائيلي كان يرى تقصير خطوط المواصلات عن طريق هجر مثل تلك المستوطنات، فإن الهاجاناه اتخذت قراراً من حيث المبدأ بعدم هجر أي منها طواعيةً حسبما تقول ويكبيديا باللغة العبرية.
فقد كانت القيادة الإسرائيلية تقدر جيداً أن ترك القرى -حتى لأسباب استراتيجية بحتة- يمكن أن تكون له نتائج خطيرة على المدى البعيد، فقد رأى الإسرائيليون أن الحدود النهائية للدولة اليهودية الجديدة سوف تتحدد -قبل أي شيء- على أساس التواجد الفعلي ومواقع المستوطنين اليهود، وهكذا، وبرغم شدة المعارك بين الجانبين لم تهجر مستوطنة يهودية واحدة، حتى دخول الجيوش العربية الحرب.
وكان قد وصل إلى صحراء النقب مئات المتطوعين من تنظيم "الإخوان المسلمين" المصريين بنهاية عام 1947 والذين حاولوا الهجوم أكثر من مرة على المستوطنات الصهيونية بالنقب (حسب الموقع الإلكتروني لجامعة بن جوريون الإسرائيلية)، وكان المجهود العربي الرئيسي موجهاً في تلك الأثناء نحو تعطيل خطوط المواصلات الصهيونية، ونجحت القوات العربية في البداية في قطع الطرق التي تربط مدن الساحل بالقدس، وعزلت منطقة النقب تماماً، والوسيلة الوحيدة للاتصال كانت طائرة "بايبركب"، وكان قائدها "عيزرا فايتسمان"، والذي أصبح فيما بعد الرئيس السابع لإسرائيل.
ثم بنهاية مارس 1948 نجحت القوات العربية في كسب الجولة الأولى من الحرب، نتيجة لأسباب عدة؛ من بينها نجاح عزل مناطق رئيسية؛ كالقدس والنقب، وأجزاء من الجليل الغربي، وكذا لقلة العتاد العسكري الصهيوني.
بعدها بدأت جولة جديدة من الصراع العسكري بين الطرفين، خاصة مع وصول الأسلحة المهربة من تشيكوسلوفاكيا إلى إسرائيل؛ إذ تبادل الجانبان العربي والصهيوني الاستيلاء على العديد من القرى العربية، والمرتفعات، والمواقع الاستراتيجية، وتبادل الطرفان السيطرة عليها أكثر من مرة، حيث نجحت العصابات الصهيونية في احتلال بعض القرى العربية باستغلال عنصر المفاجأة خلال ساعات الليل، وتحت جنح الظلام، وكان أسلوبهم المعتاد خلال الأشهر التي سبقت إنشاء دولتهم هو الاحتلال ليلاً، وتدمير البيوت، ومن ثم الانسحاب في الصباح، فيما استطاعت قوات "القاوقجي" بشكل خاص استغلال تفوقها العددي والتسليحي في استعادة هذه القرى والمواقع التحصينية نهاراً (حسب معاريف الإسرائيلية).
في هذه الأوقات لجأ المستوطنون الصهاينة إلى الحيلة والخداع، فكانوا يقومون على سبيل المثال بحشد جميع لورياتهم وجراراتهم؛ لتصعد الجبل غربي بحيرة طبرية، ليلاً، وهي مطفأة الأنوار، ثم تعود، وهي مضاءة، وتكررت العملية على مدى ليالٍ عدة؛ لخلق الانطباع بتدفق المساعدات، كما أرسل "ابن جوريون" خطابات تهدئة وتحفيز لمستوطني صحراء النقب، حثهم فيها على الصبر، ووعدهم بأنه سيقدم العون والمؤن في أقرب وقت، وأنهم بصبرهم سيحصدون النجاحات، حتى أنه وعدهم بأن مدينة أم الرشراش "إيلات" ستكون ميناء دولياً، وقد كان!
وكحافز آخر للإسرائيليين في استبسالهم ضد الجيوش العربية أعلنت بلدية تل أبيب أنها ستطلق أسماء الميادين العامة، والشوارع الكبيرة في المدينة بأسماء الذين سقطوا أثناء الحرب، كنوع من التحفيز والتشجيع المعنوي بأنهم سيخلدون، بعد مماتهم (بحسب هاآرتس الإسرائيلية).
وجاء مقتل "حسن سلامة" أحد القادة العسكريين الفلسطينيين البارزين ليترك أثراً معنوياً بالسلب على بقية القوات العربية، استكمل هذا الأثر بقيام العصابات الصهيونية بالعديد من المذابح بحق الشعب الفلسطيني، كان أشهرها مذبحة دير ياسين، التي اعتبرت انطلاقة قوية نحو إنشاء الدولة الإسرائيلية، نتيجة لميل الكفة في صالح العصابات الصهيونية.
وتروي صحيفة (دافار) الإسرائيلية في التاسع من يونيو 1979 حول مذبحة قرية دويمة عام 1948 قائلة: " قتل ما يتراوح بين 80 و100 من العرب، نساء ً وأطفالاً، كانوا يهشمون رؤوسهم بالعصي، ولم يبقَ منزل واحد بلا جثث فيه، نسفت منازلهم بالديناميت، جندي كان يفخر بنفسه؛ لأنه اغتصب امرأة عربية، قبل أن يطلق النار عليها، واستخدمت هذه المذابح كطريقة للطرد والإبادة".
وفيما لم تحسن الجيوش العربية استغلال الفرصة المواتية للهدنة، أحسن الإسرائيليون استغلال هذه الفرصة؛ بالتنظيم الجيد، وترتيب الصفوف، وجلب الأسلحة من الخارج، وتحقيق المزيد من النجاحات، فيما تلاها من أيام على كل الجبهات، خاصة في منطقتي الجليل والنقب.
واستغلت القوات الإسرائيلية ترهّل وتفكك الجيش المصري وهزيمة الجيوش العربية بشكل عام في التعمق جنوباً، باتجاه البحر الأحمر، خاصة مع موافقة الأطراف العربية على وقف إطلاق النار، حيث استطاعت توسيع أراضيها جنوباً، حتى أم الرشراش (أو إيلات)، ورفعت عليها العلم الإسرائيلي، وكان احتلال إيلات إيذاناً بنهاية حرب 1948 أو حرب " الاستقلال " وبداية النكبة العربية.


