محمد هشام عبيه
![]()

عرب إسرائيل.. عرب فعلا كما يقول اسمهم
هذه واحدة من أعقد القضايا التي صنعتها النكبة، أولئك الفلسطينيون الذين تمسكوا بالأرض والوطن، ورفضوا أن يتركوا بيوتهم وحقولهم التي احتلها اليهود عام 1948 وظلوا مقيمين في المناطق المحتلة حتى بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، وورث من بعدهم أبناؤهم ممتلكاتهم وظلوا أيضا متمسكين بالبقاء في الوطن حتى لو تبدل اسمه وأصبح كيانا يضم يهود العالم واسمه.. إسرائيل.
هم عرب إذن، لكنهم يقيمون في إسرائيل، ويحملون الجنسية الإسرائيلية، ودون أن يحملوا - بطبيعة الحال- الجنسية الفلسطينية لأنه لا توجد- رسميا- دولة اسمها فلسطين حتى وقتنا هذا، وعليه فإن هؤلاء يحملون بطاقات تعريف بهم بوصف كل واحد منهم بأنه " "إسرائيلي"، فتطبق عليهم كل القوانين الإسرائيلية وإن كانوا محرومين من المزايا الاقتصادية الموجودة هناك بل إنهم يتعرضون إلى عنصرية واضحة في المعاملات اليومية حتى إن معظمهم يعمل عاملا بأجور زهيدة تحت أمرة إسرائيليين.

مظاهرة لعرب إسرائيل ضد الرسوم المسيئة للرسول
تبلغ نسبة "عرب إسرائيل" 20% تقريبا من سكان إسرائيل البالغ عددهم أكثر من سبعة ملايين بقليل، و83% من عرب إسرائيل مسلمون و12% منهم مسيحيون في حين أن الـ5% الباقية من الدروز، وهذه الفئة الأخيرة هي الوحيدة التي ينضم أبناؤها للخدمة في الجيش الإسرائيلي بناء على اتفاق تم بين القيادات الدرزية وقادة إسرائيل بعد إعلان الدولة اليهودية مباشرة.
وإشكالية "عرب إسرائيل" متعددة، إذ أن هناك من يراهم "إسرائيليين" حتى لو ظلوا محتفظين بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم ودياناتهم، لأنهم ارتضوا بأن يكونوا تحت مظلة الدولة اليهودية وهذا فريق يتعامل معهم بكثير من التشكك والريبة وربما يصل الأمر إلى حد اتهامهم بكونهم خونة وهو اتهام غريب بطبيعة الحال لأن لفظ الخائن لا يمكن أن يطلق أبدا على من تمسك بوطنه، فيما يذهب فريق آخر باعتبارهم عربا وفلسطينيين دون جدال، وأن خير دليل على ذلك هو تمسكهم بوطنهم وعدم مغادرته تحت أي ظرف من الظروف، ورغم كل المذابح التي قام بها اليهود قبل وأثناء وبعد قيام دولة إسرائيل من أجل إرهاب أصحاب الأرض والعمل على تهجيرهم

عزمي بشارة
المسمى ذاته "عرب إسرائيل"، يحمل إشكالية ويسبب حساسية لبعضهم الذين يفضلون أن يطلق عليهم "عرب 48" -نسبة إلى السنة التي رفضوا فيها ترك الأرض- أو عرب الداخل -نسبة إلى كونهم عربا موجودين داخل إسرائيل- كما أن النظرة إليهم باعتبارهم "خونة" أو على أقل تقدير "يعيشون في سلام مع الإسرائيلين" تسبب لهم الكثير من الشعور بالضيق الذي يتخطى المعنى المحدود للكلمة خصوصا مع كونهم غير متواصلين مع العرب من جهة وغير مقبولين من الإسرائيليين من جهة أخرى.
أكثر ما يميز "عرب إسرائيل" أنهم إلى الآن لايزالون يحتفظون بهويتهم العربية بالفعل، وفي نفس الوقت يحاولون الانغماس في المجتمع الإسرائيلي باعتبار أن هذا "قدرهم الحالي" و"الأمر الواقع" الذي يجب أن يتكيفوا عليه ولو بشكل مرحلي.

سميح القاسم
وعليه فإن هناك عددا من نواب البرلمان الإسرائيلي "الكنيست" هم من عرب 48 ولعل أشهرهم هو الدكتور عزمي بشارة الذي نجح أكثر من مرة بفارق أصوات كبيرة في دائرته، وشكل صداعا حقيقيا للسلطة في إسرائيل من كثرة مطالبه بالعدالة الاجتماعية للجميع في إسرائيل وعدم التمييز العنصري مع العرب الساكنين فيها، حتى وصل الأمر إلى التحقيق معه جنائيا، فما كان منه إلا أن استقال من الكنيست واستقر بإقامته لفترة في مصر.

محمود درويش
كما خرج من عرب 48 عدد من الأدباء والشعراء والكتاب الكبار أشهرهم الشاعر "محمود درويش" الذي يوصف بأنه "شاعر المقاومة الفلسطينية" وإن كان مقيما في الفترة الأخيرة بشكل شبه دائم في أوربا، والشاعر "سميح القاسم" الذي لايزال مقيما في موطنه الأصلي، والاثنان كانا ناشطين بقوة ضد الاحتلال الإسرائيلي واعتقلا بسبب ذلك أكثر من مرة، وكذلك من مشاهير عرب إسرائيل الأديب والصحفي الراحل "إميل حبيبي" (1921-1996) الذي كان ناشطا سياسا كبيرا في الحزب الشيوعي الفلسطيني، ثم مارس العمل الصحافي والإذاعي وكتب عددا كبيرا من الروايات التي اهتمت بالشأن الفلسطيني أشهرها "الوقائع الغريبة لاختفاء سعيد أبي النحاس المتشائل" كما أنه جمع – في تطبيق فريد لكونه من عرب إسرائيل- بين أرفع الجوائز الفلسطينية "وسام القدس" والإسرائيلة "جائزة إسرائيل في الأدب".

إميل حبيبي
حتى على الإنترنت أسس "عرب إسرائيل" موقعا لافتا أطلقوا عليه اسم "عرب 48" باللغة العربية طبعا ويقدم تغطية شاملة ويومية في شتى المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والفنية لأبناء عرب إسرائيل، وفيه أخبار تكشف بالفعل عن أن عرب إسرائيل ليسو إسرائيليين بكل تأكيد، فهناك اعتداءات جسدية عليهم من رجال الجيش الإسرائيلي وكذلك عنصرية واضحة في تقديم الخدمات إليهم مقارنة بباقي مواطني إسرائيل، كما أن هناك أخبارا تشير إلى قيام عدد من عرب إسرائيل الدروز برفض الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي باعتباره جيش احتلال، بل إن منهم من استطاع أن يقاوم كل الضغوط من أجل إلحاقه بالجيش الإسرائيلي وشملت الاعتقال والتعذيب حتى نال في النهاية قرارا يعطيه الحق في عدم الانضمام إلى صفوف الاحتلال.. هل بعد هذا يعتبر عرب 1948 إسرائيليين مائة بالمائة؟!


