عارف فكرى

نقلت لنا الصحف خطوة سبّاقة من سوريا، عندما قامت بسنّ قرارات بالتعامل مع اللغة العربية باهتمام أكثر، وتقريرها في حياة رجل الشارع، وقد تمثل الأمر في تغيير أسماء المحال التجارية لأسماء عربية، وكذلك تقرير هذه الخطوة مسبقاً في أي منشأة ستوجد في العاصمة والمدن الكبرى، وكذلك الاهتمام بالحركة التعليمية، والحرص أن يكون التعامل الرسمية باللغة العربية الفصحى، وهو أمر سرني كثيراً، وجعلني أحترم تلك الخطوة، وأتمنى تطبيقها بأرض الكنانة ..
يذكر لنا الشيخ "محمد الغزالي" في كتبه أن الرعيل الأول من المفكرين بالقرن العشرين، كانوا يحترمون اللغة العربية، ويتحدثون بها في أحاديثهم ببساطة من تمرنوا عليها، وتنفسوها، حتى من قاموا ببعض المواقف التي ألبت عليهم الجميع، مثل "طه حسين" في كتابيه "في الشعر الجاهلي" و"مستقبل الثقافة في مصر"، كانوا يلتزمون باللغة في أحاديثهم وكتبهم، ويتفننون في خلق تراكيب لغوية معبرة، سواء أكانت بسيطة أم رنانة، كل يعبر على طريقته، وفي كل الأحوال كان هناك ابتعاد عن العامية، والابتذال، والإسفاف!
لقد اختلف الوضع كثيراً الآن، وصارت اللغة العربية غريبة، مضطهدة، مهانة! صحيح أن جلّ الأكاديميين يتكلمون بها في كتبهم – بشكل معقد، منفر، خال من الجمال والفن – لكن حوارهم العادي يخلو من الفصحى، وهو أمر يثير الغيظ، وعندما تسألهم عن السرّ، تكون إجابتهم هي: أنهم لا يريدون "تصديع الجميع"، ورغبتهم صادقة في أن يفهم أكبر قدر من الناس، وخاصة في المحاضرات والخطب المهنية!
ذكر المفكر الدكتور "مصطفى محمود" عن ظاهرة اللغة الأجنبية – وخاصة الإنجليزية - التي انتشرت تسمية المحال، والسينمات، والمباني التجارية والمطاعم بها، اللهم إلا من المساجد، أو ما يتبع الدين، فهو قد خرج من سيطرة اللغات الأجنبية! وهي ملاحظة ذكية، ولها مغزاها، وأضيف عليها أن التسمية قد تكون باللغة نفسها، أو بلغتنا العربية، وكأن التغريب هنا له جاذبية وقوة، وللأسف هذا يؤكد أننا ما زلنا نعاني من عقدة الخواجة!
حتى على مستوى الحديث الإعلامي، من نشرات إخبارية، وتقديم المذيعات للفقرات الترفيهية، ستجد أن هناك الكثير من الأخطاء المزرية، ولعل المذيعة التي نطقت سورة "الحِجر" بالفتح ، وجعلت الشيخ "عبد الحميد كشك" يشير لهذا بضيق، حادثة تذكر في هذا المجال كمثال للتدني في الاهتمام باللغة ، حتى ممن يحتلون قنوات الدولة الرسمية!
ومن قرأ منكم رواية "تحتمس 400 بشرطة" للكاتب المبدع "أحمد بهجت" سيرى نموذج المذيعة التي تنطق القاف كافاً!!
والأخطاء تتجاوز النطق للكتابة بها، فطبيعي أن تجد كلمات: الأطفاء – خمسة أغاني، والقائمة طويلة، وجولة منك في وسط البلد، ستجعلك ترى الكثير من عشرات اللافتات العملاقة المليئة بالأخطاء الإملائية، وكأن من كتبوها ليست لهم أدنى معرفة بالكتابة الصحيحة!
أما عن الأعمال المكتوبة، فستجد الكثير ممن يستخدمون اللغة العامية بكثرة... الصحف، والمدّونات، وبعض الأعمال القصصية، وحجتهم هنا أن هذا يعد من قبيل الحداثة، ومن حقّ الكاتب أن يحدد اللغة التي يكتب بها!
وهي قولة حق أريد بها باطل، فالكاتب الراحل "يوسف السباعي" كتب "السقا مات" بالعامية – الحوار فقط -، وكانت وجهة نظره أن الشخصيات لو تكلمت بالعامية البسيطة المعبرة في هذه الرواية بالذات سيكون هذا أفضل، وهو أمر نحترمه في كاتب عملاق، كان يتفنن في كتابته الروائية، والقصصية!
في رواية للكاتب د. أحمد خالد توفيق ذكر أن اللغة الإنجليزية في الغرب يتمّ صيانتها، والحفاظ عليها، وتوليد ألفاظ جديدة تناسب العصر، حتى مع انتشار ألفاظ سوقية مبتذلة، وظهور لهجات جديدة، لكن اللغة نفسها بعمادها وهيكلها موجودة!.. فاللغة لو ضاعت، فسيكون هذا إيذاناً ببداية الانهيار والنهاية!


