history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

د. ميشيل حنا

كانت درجة الحرارة 42 درجة مئوية وفقا للبيانات الرسمية التي أذاعتها هيئة الأرصاد الجوية، وكنت أقود السيارة في الشوارع المتوقفة دائما في مدينة نصر، متنقلا بين "الغيار" الأول والثاني لا أكثر، مع فترات توقف متكررة تطول أو تقصر، وأنا أحاول أن أتجنب لمس عجلة القيادة كلما أمكن، فعجلة القيادة ساخنة وعلى وشك الانصهار، وعصا الفتيس ليست في وضع أفضل حالا، ويزيد الأمر سوءا هذه الهبات من الهواء الساخن التي تهب عليّ من نافذة السيارة محملة بعوادم السيارات المجاورة، وذلك الزكام الصيفي الذي يجعل الحياة لا تحتمل.

إلى جواري على الطريق عربة لنقل المساجين يقودها عسكري يميل بها ناحيتي باستمرار، مما يجعلني أميل أكثر ناحية الرصيف حتى أكاد ألتصق به. الطريق شبه متوقف، والسيارات متلاصقة وهو يصرّ على أخذ المساحة الصغيرة التي تحتلها سيارتي، كأنه يستكثرها عليّ، أو لعلّ حجم سيارته الهائل يمنحه الكثير من القوة وبالتالي الحقّ في مزيد من المساحة وفقا لشريعة الغاب التي تمنح الحق للأقوى، على أساس أننا نسير وسط غابة من السيارات!

فضّلت ترك المكان كليّا له، وتوقفت تماما إلى أن استطاع التحرك وسط باقي السيارات الزاحفة ليصير أمامي، وأخذت أتأمل جسم السيارة الحديدي الضخم، والذي لا يحتوي سوى على نوافذ مربعة صغيرة جدا ومغطاة بقضبان حديدية وشِباك من الصُّلب، وفكرت: لو كان هناك بشر بداخل علبة السردين المشوي هذه، فكيف سيكون حالهم؟

وتذكّرت وقتها ما كنت قد قرأته قبلا في بعض جرائد المعارضة عما يحدث من حالات اختناق ووفاة أحيانا للمنقولين في هذه الصناديق الحديدية في أيام الحرّ، ناهيك عن حالات الكسور بسبب حشر عدد كبير من الأشخاص مع العساكر المرافقين لهم وقوفا داخل هذا المكان الضيّق، مع عدم وجود ما يمكن الإمساك به لحفظ التوازن، وبمجرد أن يضغط السائق الفرامل حتى يتكوّم كل المرَحَّلين مع الجنود فوق بعضهم في أحد أركان العربة ليتحولوا إلى كومة من اللحم! إضافة إلى رعونة السائقين وارتكابهم للكثير من الحوادث أثناء النقل. وهناك تلك القصة الشهيرة التي حدثت عام 2004 حين تم ضبط بعض الشباب الذين كانوا يحاولون السفر إلى إيطاليا بطريقة غير شرعية بحثا عن لقمة العيش، فتم ترحيل ثمانين منهم في سيارتين من هذا النوع من الحدود الليبيّة، وظلوا فيهما في السخونة الحارقة لمدة 12 ساعة بلا ماء أو طعام أو هواء حتى مات بعضهم بالداخل.

إن كل دول العالم تقوم بنقل المساجين والمُرَحّلين وهم جلوس داخل أوتوبيسات، ويتم وضع وسائل التأمين المناسبة داخل الأوتوبيس، كالقضبان على النوافذ، وتقييد يدي المسجون في جزء خاص بالمقعد، وتمر الأمور دون مشاكل. ولا أدري لماذا يجب أن نشذ عن كل دول العالم ونبتكر حلولا رعناء لمشاكل محلولة مسبقا، وإلى متى نظل نبني ونصنع وفقا للمواصفات الأمنية وليس المواصفات الهندسية، وكم عدد الأشخاص الذين يجب أن يموتوا إلى أن يتم اتخاذ قرار إيجابي ليتم وصفه فيما بعد بالاستجابة التاريخية للوزير الإنسان؟!

قد يقول البعض إن هؤلاء مجرمون يستحقون ما يحدث لهم. بالطبع ليسوا كلهم مجرمين، ففيهم المتهمون الذين هم براء إلى أن تثبت إدانتهم، وفيهم المعتقلون عشوائيا والمشتبه فيهم والمرحلون على ذمة قضايا وغيرهم، ثم من قال إن المجرم ليس له حقوق؟ أي إنسان بما فيه المجرم له حقوق، ولا يجوز نقل إنسان في علب الصفيح الساخن هذه، ويمكنني أن أقول دون خطأ كبير إنه لا يجوز نقل الحيوانات أيضا في هذه السيارات، فلو كان لدى فلاح بعض البهائم التي يريد نقلها وعُرض عليه استخدام هذه السيارات، لخاف على حيواناته ورفض نقلها إلا في سيارات مكشوفة وجيّدة التهوية حتى لا تنفق البهائم. لكن أليس الإنسان أفضل من البهيمة؟

وبينما أتابع بنظري سائق سيارة الترحيلات وهو يواصل "التزنيق" على ما حوله من سيارات، فكرت أن الإنسان قطعا أفضل، لكن ليس في مصر.



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني