history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

محمد هشام عبيه

بعد أن أنهى مؤتمره الصحفي الأول منذ بداية الأزمة، والذي أعلن فيه تحمّل المسئولية عن كل تصريحاته التي كانت سبباً فيما حدث، بل قرر فيه -في تراجع علني نادر- أنّ شبكة الاتصالات التي تم الكشف عنها بجوار المطار والتابعة لحزب الله ثبت أنها متعلقة بـ"المقاومة"، وأن من سيحدد مصيرها الجيش فقط.. قام الزعيم الدرزي "وليد جنبلاط" من مجلسه في هدوء به لمحة انكسار واضحة، قبل أن يمزق مجموعة الأوراق التي كانت في حوزته.. فهل كان هذا إعلاناً درامياً بهزيمته، وبأنه لم يعد يملك أي أوراق يمكن أن يستخدمها في لعبة السياسة الدموية في لبنان؟!

أغلب الظن، الإجابة نعم، رغم أن أحداً بكل تأكيد لم يكن يرغب في أن تلتهب الأوضاع في لبنان إلى الحد الذي حدث، والذي راح ضحيته عدد كبير من اللبنانيين وصل في تقديرات غير مؤكدة إلى 37 قتيلا، لكن الشاهد هو أن الوضع –قبل هذه الأحداث- قد وصل إلى المرحلة الأخيرة من التأزم والسكون، وباتت الساحة اللبنانية أشبه بلعبة شطرنج تعقدت للدرجة التي لم يعد فيها أي لاعب قادراً على تحريك أي قطعة، ولم يعد هناك بديلاً سوى "هد الدور" ولو صاحب هذا بعض من العنف.

بالحسابات السياسية -بعيداً عن أي اعتبارات أخرى- خرجت المعارضة منتصرة في الأحداث الأخيرة، ميدانياً فرض "حزب الله" سيطرته على كل المناطق الحيوية في العاصمة بيروت، حتى أن عناصر منه -في استعراض قوة واضح- حاصرت لفترة المناطق القريبة من منزلي "سعد الحريري" زعيم تيار المستقبل، و"وليد جنبلاط" رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، كما أن تسليم التيار الحكومي -ممثلاً في "جنبلاط"- بأن شبكة الاتصالات لها علاقة بالمقاومة، وأن الجيش وحده هو الذي سيتولى أمرها تأكيد لانتصار حزب الله، خصوصاً مع اعتبار القرار الحكومي السابق بالتعامل مع شبكة الاتصالات كعمل غير قانوني قراراً لاغياً.

الأوضاع هادئة نسبياً الآن في بيروت، بعد أن سلّم "حزب الله" كل المناطق التي سيطر عليها إلى الجيش، الذي لايزال إلى وقتنا هذا يتبع أسلوب الحياد بحذر شديد في وضع شديد السخونة قابل للاشتعال في أي لحظة، لكن هناك اشتباكات جرت في "طرابلس" في الشمال، وإن اتجه الوضع العام إلى السكون وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه.

وعلى الرغم من محاولة البعض التعامل مع ما يحدث في لبنان على خلفية مذهبية، والقول بأن الصراع بين السنة -ممثلة في تيار الحريري– والشيعة -ممثلة في حزب الله- فالشاهد أن ذلك بعيد تماماً عن الواقع؛ لأن الخلاف بين أبناء الوطن الواحد في لبنان، سياسي بحت، وإن كان يتخذ وضعاً دولياً، فسوريا التي خرجت تقول إن ما يحدث شأن داخلي، هي طرف ضالع بكل تأكيد في هذه الأحداث، وإيران التي تراقب عن بعد، يدها في يد حزب الله بشكل علني لايخفيه الطرفان، كما أن كل أطراف التيار الحكومي "فؤاد السنيورة -رئيس الحكومة-، سعد الحريري، وليد جنبلاط" جميعاً مدعومة دعماً صريحاً ومباشراً من الغرب ممثلاً في الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي يعني أن لبنان تحولت بالفعل إلى ساحة لما يشبه الحرب العالمية المصغرة من دون أن تكون هناك جيوش مرئية للجميع.

وهو أمر دفع كثيرين لأن يوجهوا انتقادات هذه المرة إلى "حزب الله" بعدما رأوا أنه اندفع في مواجهة داخلية خلفت وراءها ضحايا وأشعلت كثيراً الأوضاع، وكشفت عن حدة الخلاف بين الأطراف بشكل مبالغ، وهؤلاء يرون أن حزب الله –بوصفه يمتلك القوة العسكرية الأكبر- كان ينبغي عليه أن يتحلى بالمزيد من الصبر وضبط النفس حتى لا تتدهور الأمور وتصل إلى ماهي عليه الآن، فيما يرى فريق آخر أن حزب الله فعل ما كان ينبغي عليه أن يقوم به لأن أي تأخر في التحرك ربما كان اقتطع جزءا كبيرا من قوة المقاومة التي يرونها حائط الصد الوحيد الذي يمنع إسرائيل من التحرك بجنون معتاد تجاه لبنان.

لكن ما الذي سيحدث إذن؟ كل الخيارات مفتوحة.. لكن ربما يكون تفجر الأوضاع الأخير قبل هدوئها النسبي سبباً في إعادة توزيع الأدوار من جديد في لبنان، واستحقاق كل طرف للمكانة والمكان الذي يستحقه، وهو ما يعني -في السيناريوهات المتفائلة- انفراج الأزمة واختيار رئيس للبلاد متفق عليه، وهو أمر في كل الأحوال أفضل كثيراً من إبقاء الأمور مشتعلة هكذا، كما أنه يبعد الجميع عن شبح الحرب الأهلية الذي لايزال يفرد جناحيه فوق بيروت كطائر ضخم ينتظر الفرصة في لهفة لكل يحط في قلبها، تلك الحرب الأهلية التي وصفها أحد رموزها "إيلي حبيقة" منذ سنوات قائلاً "الحرب الأهلية بحر من القذارة هذه طبيعتها، لا يمكن لمن يسبح في هذا البحر أن يخرج نظيفاً، يبدأ المرء مثاليا أو نظيفاً لكن مجريات الحرب ترغمه على أن يتسخ".. وكان محقاً.



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني