history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

محمد هشام عبيه

لبنان وضع قدما في قلب الخطر، هذا هو الانطباع السائد لدى الجميع الآن، والخطر هنا مروع، لأنه يحمل معنى واحدا يثير الفزع في القلوب.. الحرب الأهلية.

الإضراب الذي دعا إليه الاتحاد العمالي في لبنان يوم السابع من مايو، لم يكن "بيروتيا" كما هو معتاد، فلم تخرج الفتيات الجميلات وهن يرتدين ملابس زاهية، ولم تٌرفع الأعلام اللبنانية بغزارة، ولم يحدث غناء أو تصفيق، الأمر اختلف هذه المرة وحل مكان هذه الطقوس اللبنانية الخاصة، تبادل لإطلاق النار وتراشق بالأحجار وإشعال نيران في هياكل السيارات القديمة في سيناريو يقترب كثيرا من "حرب الشوارع".

كل التوتر الذي انتشر في الأجواء بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق "رفيق الحريري" في فبراير 2005 ، وما تبعه من عمليات اغتيال لرموز بارزة بالإضافة إلى الحرب ضد إسرائيل، احتشد مؤخرا، وانكسرت على أثره القشة التي كانت تحمي الظهر، عندما تم الكشف عن شبكة مراقبة واتصالات في مطار بيروت قالت الحكومة إن من  وضعها هو "حزب الله" لضمان تمام السيطرة على المدخل الجوي الوحيد للبنان ولمراقبة الممر المخصص للطائرات الخاصة التي يستقلها كبار رجال الدولة، واتخذت الحكومة ردا سريعا عنيفا بعدما اعتبرت هذه الشبكة "غير شرعية وتشكل اعتداء على سيادة الدولة يستدعي الملاحقات الجزائية في حق الضالعين وتزويد الجامعة العربية والمنظمات الدولية بتفاصيل هذا الاعتداء"، بل ذهب الأمر إلى إقصاء مدير أمن المطار من منصبه، وخروج المفتي اللبناني "محمد رشيد القباني" ليتهم –بشكل ضمني- إيران بأنها تقف وراء ما يحدث، متهما حزب الله بشكل مباشر بخط العاصمة.

هكذا اتخذت المعارضة "ممثلة في حزب الله وحركة أمل" من دعوة الاتحاد العمالي للإضراب من أجل رفع الأجور، وسيلة للتعبير عن رفضها لقرارات الحكومة، وهو أمر دفع رئيس الاتحاد العمالي اللبناني لأن يعلن تنصل الاتحاد مما سيحدث في الشوارع اللبنانية من مصادمات متوقعة.

لم يسقط قتلى حتى الآن - الخميس 8 مايو- وهو أمر يرجعه البعض إلى استمرار سيطرة الجيش على الأمور لكن هناك من وصف المصادمات بين المعارضة والحكومة بأنها الأعنف منذ انتهاء الحرب الأهلية "1975-1990" وهي مؤشرات خطيرة تجلت في إغلاق مطار بيروت أمام حركة الطيران منذ الأربعاء 7 مايو، فيما استمرت المواجهة بين الطرفين في ظل تمسك كل منهما بموقفه المتشدد "الحكومة مصرة على محاسبة المسئولين عن شبكة اتصالات المطار وتدويل الأمر، والمعارضة مصرة على الاستمرار في الإضراب والتواجد في الشارع حتى تعود الحكومة عن قراراتها".

"غسان شربل" الصحفي اللبناني الكبير ورئيس تحرير جريدة الحياة اللندنية كتب مقالة افتتاحية مؤثرة للغاية في عدد 8 مايو قال فيها: "شعرت بالألم لرؤية شباب يسارعون الى الاحتكام إلى السلاح. كأنه اللغة الوحيدة المفيدة في مخاطبة هذا الآخر المقيم في البناية القريبة أو الحي المجاور. كأن أهلهم لم يرووا لهم ما حدث. وكأن أساتذتهم لم يلمحوا إلى ما جرى. غالب الظن أنهم تعلموا الوطن في دفاتر الشاشات. من تصريحات الموتورين الباحثين عن شعبية وجمهور من المصفقين. من السياسيين الذين تشكل مناخات القطيعة فرصتهم الذهبية لشحذ ألسنتهم وشحذ الأسلحة أيضاً. نقول للشاب إن جاره خائن. وان جاره مصدر الخطر. وإن شريكه في الوطن مصدر التآمر عليه. نعبئه بكل عوامل الانفجار والانتحار ثم نستغرب أن ينفجر أو ينتحر".

يأتي هذا في الوقت الذي خرج فيه السيد "حسن نصر الله" الأمين العام لحزب الله ليشن أعنف هجوم منذ سنوات على الحكومة، معتبرا أن ما فعلته مع شبكة الاتصالات هو بمثابة إعلان حرب يهدف لضرب المقاومة واغتيال كوادرها والإيقاع بين الجيش اللبناني والمقاومة، وبدا واضحا أن "نصر الله" لن يتراجع عن تواجد رجال حزب الله في العاصمة قائلا إن "من يعلن علينا حربا ولو كان أبا أو أخا من حقنا أن نواجهه".

وعن شبكة الاتصالات -محل الأزمة- قال "نصر الله" إنها: "الجزء الأهم من سلاح المقاومة وتعتبر بمثابة سلاح الإشارة"، واعتبر أن قرار الحكومة التي وصفها بأنها "عصابة وليست دولة قانون ومؤسسات" يهدف لخدمة أمريكا وإسرائيل وإشعال حرب أهلية، على حسب قوله.
ووصلت حدة خطاب "نصر الله" غير المسبوقة إلى القول بأن "وليد جنبلاط" هو الذي يقود الحكومة وأن "فؤاد السنيورة" ليس أكثر من موظف عنده، واصفا "جنبلاط" بأنه "لص وكاذب وقاتل".

ويعد خطاب "نصر الله" -شديد اللهجة- مؤشرا واضحا على تمسك كل طرف بموقفه وهو أمر يشير إلى أن الأزمة لن تنفرج في الوقت الحالي.. فماذا تخبئ الأمور إذن لهذا البلد الجميل المصاب بلعنة السياسة والتدخلات الخارجية؟



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني