history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

نانسي حبيب

في اليوم التالي لارتفاع أسعار البنزين والسولار والتي تسببت في زيادة أسعار كل ما يستعمله الناس لم يكن هناك حديث سوى عن قرارات الزيادة.. في أثناء عودتي إلى البيت ركبت ميكروباصاً، وكالعادة كان حديث الساعة هو.. البنزين. سألنا السواق على الأجرة فرد ببساطة زي ما هي جنيه واحد بس من أول بكرة -إن شاء الله- هنطبق الزيادة، وهتبقى جنيه وربع بس!

دفعنا الأجرة كما هي، والركاب ما زالوا يتناقشون، ويتحاورون، ويتساءلون، ويفكرون في كيفية التعامل مع زيادة الأجور، والتي صاحبها ارتفاع وغلاء وتضخم الأسعار. وفي اليوم التالي ركبت الميكروباص كالعادة لأجد الركاب يجمعون الأجرة وهي عبارة عن جنيه واحد فقط، لكن قبل خروج العربية من الموقف، فوجئنا بشخص يظهر من تحت الأرض؛ ليخبرنا: "الأجرة جنيه وربع يا حضرات!".. لكن الركاب اللي أنا منهم استمروا على العهد، وحافظوا على ثبات الأجرة، وجمعنا الأجرة على جنيه لكن مع وصولنا للصف الأمامي قالوا لنا: "لأ.. عايزين ربع جنيه من كل واحد"، فبدأنا إعادة جمع الربع جنيه المتبقي، لتقف فتاة وتقول: "لأ.. أنا جاية الصبح بجنيه بس".

المهم ذهبت الأجرة إلى السائق جنيه وربع من كل الركاب فيما عدا الفتاة إياها؛ ليتساءل السائق: "إنتم جمعتم الأجرة على جنيه وربع؟" لترد الفتاة: "هي إمتى بقت جنيه وربع يا أسطى؟" ويتبعها رجل آخر بنفس التساؤل بعد أن قام بالفعل بدفع الربع جنيه! فيرد السائق: "من ساعة ما البنزين غلي"!، لترد السيدة الجالسة في الصف الأول: "يا جماعة الراجل من غير حاجة بعت لكم الربع جنيه الزيادة!" لتظهر علامات البلاهة والاندهاش على كل من في الميكروباص.

السائق فسّر الأمر قائلاً: "هو فعلا الأجرة زادت لجنيه وربع، بس أنا لسه ما طبقتش الموضوع ده.. أنا لسه ماشي على النظام القديم.. الناس صعبانة عليّ.. هتلاحق على إيه ولاّ إيه؟" فيرد أحد الركاب الذي كان قد سأل السائق: "إنت كمان صعبان علينا.. السواقين كلهم.. يعني إنتم هتعملوا إيه؟.. ما البنزين غلي، ولازم تعوضوا الزيادة.. أنا على فكرة كنت باسأل بس.. لكن دفعت الزيادة.. إحنا بنسأل من غُلْبنا، لكن انتم صعبانين علينا، وإحنا فاهمين إن الأجرة لازم تزيد طالما كل حاجة بتزيد"!

وتحوّل الميكروباص لمرثية من الناس للسائق والعكس، وكله بيشتكي حاله، وارتسمت كل ملامح البلاهة الشديدة على وجهي، وأنا أتساءل: "هو لسه فيه كده؟!".. لسه فيه بنت بتقف وتسأل وعندها الجرأة إنها تعترض وتحاول تفهم في الوقت اللي كان جنبها رجالة وستات والميكروباص كله موافق بالثلث، وأنا منهم! لسه فيه بنت ممكن تقف في وش الظلم -ده إن كان ظلم يعني!- زي ما كانت الستات زمان بتقف في وش الحكام وتشتكي بفصاحة أكثر من الرجال، كما فعلت امرأة مع الحاكم "المستنصر" وهي تشكو من غلاء الأسعار، وكما فعلت سيدة مع "الناصر صلاح الدين" وهي تشكو ضياع طفلها في الحرب!

هو لسه فيه كمان.. سواق ميكروباص ما يرفعش الأسعار رغم إن الناس موافقة، ويرجّع الفلوس اللي دفعتها له الناس عشان حال الناس صعبان عليه؟ لسه فيه ناس بتركب مواصلات عامة وما يقولوش على السواق حرامي واستغلالي، ويقولوا له إنت حالك صعبان علينا، ولازم تغلي الأجرة؟

استمرت الأسئلة في ذهني مع حالة البلاهة حتى جاء قرار الحكومة بزيادة أجرة الركوب داخل القاهرة وبين المدن الجديدة لتصبح 150 قرشا بدلا من 110 قروش وزيادة تعريفة السرفيس 25 قرشاً للمسافة الأقل من 25 كيلو مترا و40 قرشاً للمسافة الأطول من 25 كيلو مترا.. لأظل أتساءل بعدها.. هو لسه فيه كده؟!


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني