بدر حسن شافعي

تكتسب الانتخابات المحلية أهمية كبيرة في الدول المتقدمة على اعتبار أنها تعدّ المؤشر الحقيقي على نجاح هذا الحزب أو ذاك في تقديم خدمات ملموسة للناخبين تساهم في تحسين أحوالهم المعيشية، ومن ثم فإن نتيجتها تعكس هذا النجاح أو الفشل من ناحية، كما أنها تكشف لنا -إلى حد كبير- عن الحزب الذي سيفوز في الانتخابات البرلمانية التالية لها. وهناك نماذج عديدة في هذا الشأن، بداية من الجزائر حيث أدى الفوز الكاسح لجبهة الإنقاذ في الانتخابات المحلية التي جرت أوائل عام 1990، إلى زيادة التوقعات بفوزها في الانتخابات البرلمانية التالية لها، ولما أحس النظام الجزائري بذلك قام بإلغاء هذه الانتخابات بالرغم من إجراء الجولة الأولى بها؛ لأن مؤشرات هذه الجولة أشارت إلى فوز جبهة الإنقاذ، وهو ما ترتب عليه دخول البلاد في حرب أهلية استمرت قرابة عقد من الزمان. وفي تركيا فقد أدى فوز حزب العدالة والتنمية، ومن قبله حزب الرفاه -ذَوَيْ التوجهات الإسلامية- إلى فوزهما في الانتخابات العامة التالية؛ لأن الناخب شعر أن هذا الحزب أو ذاك هو الأجدر في التعبير عن مصالحه في البرلمان بعدما ثبت له ذلك في الانتخابات المحلية.
ولعل هذه المقدمة هامة لتفسير أسباب حديثنا عن الانتخابات المحلية الأخيرة في بريطانيا، خاصة وأن بعض الناس -في دول العالم العربي والنامي تحديدا- قد لا يهتم بها؛ بسبب عدم جدوى الانتخابات المحلية في بلادهم، أو لأنها تشهد حملة تزوير واسعة النطاق! نعود إلى بريطانيا، فالهزيمة المدوية التي مني بها حزب العمال الحاكم في الانتخابات التي شهدتها بريطانيا مؤخرا -بما فيها خسارة منصب عمدة العاصمة لندن- والتي دفعت البعض إلى تشبيهها بحمام دم "سياسي" للحزب، ستكون لها تداعياتها الخطيرة على صعيد السياستين الداخلية والخارجية خلال الفترة القليلة القادمة، خاصة وأن الانتخابات العامة ستُجرَى في غضون عامين.
لكن هناك عدة ملاحظات على هذه الانتخابات حيث يعتبر هذا الأداء هو الأفضل الذي يسجله حزب المحافظين في الانتخابات المحلية منذ 1992، والأسوأ لحزب العمال منذ الستينيات. كما أن هزيمة حزب العمال تعد أسوأ من خسارة العماليين عام 2004 حينما دفعوا ثمن قرار خوض الحرب في العراق الذي اتخذه رئيس الوزراء السابق "توني بلير". وكان حزب العمال قد حل ثالثاً أيضاً في ذلك العام مع فوزه بـ 26% من الأصوات، لكنه -بالرغم من ذلك- نجح في الانتخابات العامة التي جرت عام 2005. وهو ما يراهن عليه بعض أنصار الحزب من أنه سيفوز في الانتخابات العامة القادمة؛ بغضِّ النظر عن نتيجة الانتخابات المحلية الأخيرة. كما تعد هذه الهزيمة الأولى لرئيس الوزراء الحالي "جوردون براون"، والذي لم يمضِ على توليه الحكم سوى أقل من عام، وهو ما اعتبره كثير من المحللين نذير شؤم عليه، خاصة وأن الانتخابات العامة ستكون بعد عامين. ويربط العديد من المحللين بين خسارة "براون" وبين الهزيمة التي تعرض لها رئيس الوزراء المحافظ السابق "جون ميجور" في انتخابات 1995 المحلية حيث لم يحصد سوى 25% من الأصوات، ولم يمضِ عامان على إخفاقه حتى خسر منصبه.

وإذا حاولنا تفسير أسباب هذه الخسارة العمالية، أو بمعنى آخر هذه المذبحة، فيمكن إرجاعها لعدة أسباب؛ منها: فشل الحكومة في تحسين أحوال المواطن البريطاني؛ خاصة في ظل موجة الارتفاع العالمي في الغذاء، وبالرغم من أن هذه الموجة -أي ارتفاع الأسعار- عالمية، إلا أن المواطن البريطاني اعتبر أن الحكومة مقصرة في تحسين أحواله المعيشية، لذا فإن الناخبين عبّروا عن سخطهم عن هذا الأداء من خلال صناديق الاقتراع؛ خاصة وأن حزب العمال فشل في الجمع بين الأخذ بآليات السوق الرأسمالي الحر، والحفاظ على البعد الاجتماعي في التنمية. وكذلك عدم استفادة رئيس الوزراء "جوردون براون" من أخطاء سلفه "توني بلير"، خاصة فيما يتعلق باستمرار وجود القوات البريطانية في العراق، وهي النقطة التي تساهم في زيادة الخسارة المادية والبشرية من جراء دخول هذه الحرب التي يبدو أنها لن تنتهي قريباً. لذا توقع الناخبون بعد وصول "براون" للحكم أن يتخذ قرارات فورية بشأن تنفيذ وعوده بالانسحاب التدريجي من العراق، لكن هذا لم يحدث، ومن ثم كان التصويت العقابي ضده. إلى جانب وجود انفصال بين قادة الحزب وقواعده، هذا الانفصال سببه استمرار الحزب في السلطة لفترة طويلة (11 عاما)، ومن ثم أصابت الحزب حالة من الترهل والضعف، مما أدى إلى انفضاض الجماهير من حوله، ولعل هذا يكشف بوضوح عن قمة النضج الديموقراطي لدى المواطن البريطاني الذي تُعتبر بلاده قلعة الديمقراطية في العالم.
إن هذه الهزيمة المدوية لـ"جوردون براون" وحزبه ستجعله يفكر كثيرا قبل خوض الانتخابات البرلمانية القادمة؛ حتى لا يلقى نفس مصير "جون ميجور". وهنا تبرز قضيتان هامتان ينبغي إعادة النظر بشأنهما: الأولى داخلية تتعلق بتحسين أحوال المواطن البريطاني من خلال إجراءات حقيقية وغير مزيفة على غرار زيادة الرواتب من ناحية، ورفع أسعار السلع الغذائية، أو فرض الضرائب من ناحية ثانية؛ لأن هذه الحيل "البدائية " لن تنطلي على هذا الشعب الواعي، أما القضية الثانية فهي خارجية تتعلق باستمرار التواجد البريطاني في العراق؛ إذ لا بد أن يتخذ "براون" خطوة جريئة بشأن سحب هذه القوات -ولو بصورة جزئية- خاصة أن هذا الانسحاب سوف يقلل الخسائر المادية والبشرية البريطانية من ناحية، كما أنه سيشعر المواطن بأن بلاده حرة مستقلة وغير تابعة لأحد، وهذا هو بيت القصيد بالنسبة لهذا الشعب..


