history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

محمد هشام عبيه


"ضلام غزة..واقتحام رفح"

كان التقرير الذي نشرته "هيئة الإذاعة البريطانية" "بي بي سي" عن "كارثة غزة" في موقعها على الإنترنت حياديا كما هو معتاد من هذا الكياني الإعلامي العملاق، فأوردت وجهتي النظر المختلفتين اللتين تعبران عن إسرائيل وفلسطين، لكن في السياق كٌتب بالنص "وتضيف إسرائيل أن الصواريخ التي تطلق بصورة مستمرة من القطاع تجبر مواطنيها على الهرع عدة مرات يوميا إلى المخابئ، وقد أصابت الصواريخ البدائية العديد من السكان بالذعر بينما أسفرت عن قتل 12 إسرائيليا خلال ست سنوات، غير أن الاتحاد الأوربي ومنظمات دولية وصفت الإغلاق الإسرائيلي بالعقاب الجماعي لسكان غزة الذين يناهز عددهم 1.5 مليون نسمة".. من قال إن الحقيقة "حيادية"؟

قارن فقط بين عدد الإسرائيليين الذين قتلوا بالصواريخ المنطلقة من غزة "12"، وبين عدد الفلسطينين المهددين بالموت "1.5 مليون" لو ظلت إسرائيل تمارس هذه "البربرية المنهجية" فتحرم القطاع من الغاز والكهرباء، وأنت تدرك تماما أنه مهما حاول أحد أن يبدو "حياديا"، فالحقيقة ظاهرة كقطعة ثلج بيضاء في قلب عالم خرب ذي ذمم سوداء.

هكذا إذن الأمور واضحة جدا، وهو شيء له نتائج طيبة لأنه يجعل اللعب بأوراق مكشوفة "أنا أعرف أني ضحية وأنك قاتل وأنت تعرف ذلك تماما"، ولعل مأزق غزة هذا واحد من أشد المشكلات التي وقعت فيها إسرائيل مؤخرا، ويثبت بالفعل أن "أولمرت" ورفاقه إما استبد بهم الغرور إلى أقصى مدى له، أو أن الغباء أكل عليهم وشرب.

فإذا كان من الطبيعي ومن المكرر ومن الممل أن تتضامن أمريكا مع إسرائيل فيما تفعل من جريمة قتل منظمة تجاه الفلسطينيين في غزة، وإذا كان من الطبيعي والمكرر والممل –بالنسبة لإسرائيل طبعا- أن يخرج بعض القادة العرب للتنديد والشجب والرفض، وهو ما يصاحبه عادة عدة مظاهرات حاشدة غاضبة تجوب العواصم العربية، فالثابت أن ما حدث بعد ذلك لم يكن أحد يتوقعه... والمقصود هنا اقتحام عدد كبير من الفلسطينين "هناك من قدرهم بنصف مليون أي ثلث سكان غزة" للسور الحدودي الذي يفصل بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية.

المفاجأة لم تكن في ذلك الاقتحام فحسب، بل في التعامل المصري "الهادئ" مع ما حدث رغم أن التوصيف الوحيد له هو "الاعتداء على الحدود" وهو أمر أمني شديد الخطورة حتى ولو قام به فلسطينيون أشقاء في ظل ظروف إنسانية شديدة الصعوبة.

الثابت أن رد الفعل المصري تجاه ما حدث ربما يكون واحدا من أفضل المواقف التي اتخذها الرئيس "مبارك" في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بالشئون الخارجية، خصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية الإسرائيلية، وهو تصرف يعيد "مصر" وبقوة إلى مربع العمليات في المنطقة بعد استبعاد بدا واضحا في الفترة الأخيرة، وهو الأمر الذي صاحبه صعود وتنام للنفوذ السعودي في المنطقة.

أما لماذا كان موقف مصر "قويا" و"مختلفا" فذلك لأنها بسماحها للفلسطينين بالدخول إلى العريش ورفح من أجل التزود بالسلع الغذائية والأدوية والأجهزة من دون مقاومة أو منع من الشرطة المصرية (اتفاقية السلام تمنع تواجد أفراد الجيش المصري على الحدود مع إسرائيل) ساعدت بشكل واضح ومباشر هذه المرة في فك الحصار جزئيا على غزة، وهو الأمر الذي كان يجب أن تقوم به منذ بدء الأزمة، بالإضافة إلى أن ذلك إشارة واضحة لإسرائيل بأنه ليست كل الأوراق تملكها وحدها، وهو أمر لم تجد معه إسرائيل أن تفعل شيئا رغم أنها كانت من أسابيع قليلة تهاجم مصر وبشدة بسبب ما وصفته بتهريب السلاح إلى المقاومة الفسلطينية في غزة فإنها تقف عاجزة بعد فتح الحدود بين مصر وفلسطين رغم أن هذه فرصة ذهبية لنقل السلاح إلى المقاومة الفلسطيينة.

ولعل هذا ما دفع البعض -مستندين إلى رصد تواجد عدد كبير من قوات الأمن على الحدود- للقول بأن مصر أعطت إشارة ضمنية أو سمحت للفلسطينيين باقتحام الحدود بمعرفة مسبقة حتى يبدو وكأنها -أي مصر- مضطرة ومجبرة على استقبال الفلسطينيين الهاربين من جحيم غزة وتوفير ما يحتاجون إليه من مستلزمات ضرورية لأن هذا يفوت الفرصة أن تتحجج إسرائيل بأن مصر خالفت المواثيق الدولية إذا ما فتحت الحدود في غياب مندوب أوربي وإسرائيلي، وهو ما كان سيشكل بكل تأكيد حرجا دبلوماسيا كبيرا لمصر، وهو الأمر الذي جعل الأجهزة الأمنية ترفض فتح المعبر الحدودي منذ ما يقرب من شهر حتى يعود الحجاج الفلسطينيون إلى أراضيهم قادمين من مكة.

الأمر ليس مرتبطا بمصر فحسب، بل ربما يؤدي الحصار الإسرائيلي المجنون لغزة لخلخلة الوضع بين الإخوة الأعداء في فلسطين "فتح وحماس" فها هو رئيس الوزراء المقال الحماساوي "إسماعيل هنية" يعلن -فور عبور الفلسطينيين إلى مصر- استعداده لعقد اجتماع عاجل مع "الأشقاء في مصر والإخوان -في إشارة إلى فتح- في رام الله" لوضع ترتيبات لفتح معبر رفح ومعابر أخرى، صحيح أن دعوته قوبلت برفض ضمني من فتح لكنها خطوة يمكن أن تضاف إلى ذلك المشهد الآخر الذي انتبه إليه كثيرون عندما تعانق وتضامن أعضاء من فتح مع أعضاء من حماس في الجنازات التي كانت تشيع ما يقرب من 40 فلسطيني قتلوا في غزة عبر قصف إسرائيلي في أعقاب زيارة "بوش" وقبيل فرض الحصار بأيام قليلة.. يعني من يدري.. ربما ينقلب السحر على الساحر.. وربما وأهالي غزة عائدون إلى بلادهم محملين بالبضائع المصرية تتحول الأمور إلى أفضل، وحتى ولو لم يحدث هذا على المدى القريب فأحداث غزة بدءا من الحصار وانتهاء باقتحام الحدود تعطى إشارة واضحة بأن العرب - ومصر تحديدا- يمكن أن يكونوا ندا قويا لإسرائيل فقط لو أرادوا ذلك.

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني